داخل أحد المحال التجارية بميدان الرفاعى، يجلس جواد أبوشعبان، يحاسب الزبائن، بشعر لم يترك الشيب فيه شعرة سوداء بعدما وصل إلى سن السبعين، يقول بهلجته البدوية إنه قضاها فى العمارة والبناء: «أنا واحد من اللى بنوا البلد دى.. وجاى تقول فى آخر عمرى (فلسطينى).. أنا مصرى الجنسية فلسطينى المولد». الرجل الذى شارك حسب روايته فى بناء السد العالى، وبناء العريش نفسها يعيش فيها منذ عام 1948، وكل ما يتمناه قبل أن يواريه الثرى هو أن يحمل الجنسية المصرية: «أنا مصرى أكتر من أى مصرى».
بكل زهو يعدل من وضع جلوسه، يسكت ملياً، ربما يتذكر منجزه فى المدينة التى جاء إليها حين كانت شوارعها تعد على أصابع اليد الواحدة، فالرجل عمل مع الجيش المصرى فى اليمن لرصف المطارات والشوارع، بعد تأميم شركة والده التى أصبحت فيما بعد «النيل العامة للطرق الصحراوية»، بخلاف مشاركته فى بناء السد العالى، وعمل فى العديد من المشروعات فى سيناء، والعديد من الطرق للقرى فى الصعيد والوادى: «ساعتها كنا بناكل جوز الحمام بقرشين صاغ»، بخلاف مساعدته فى نقل أهل النوبة: «وساعتها حضر افتتاح السد خرشوف وعبدالناصر».
الرجل العجوز الذى عمل فى شركة والده بعد تأميمها، يعتبر نفسه ممن شاركوا فى بناء البلد: «مصر دى بلدنا واحنا إلى بنيناها.. وتقول بعد كل ده فلسطينى؟!».
«جواد» سعيد بحصول أحفاده على الجنسية المصرية بعد تزوج أولاده من مصريات، خصوصاً فى ظل ما يشاهدونه من اتهامات هنا وهناك على رأس الفلسطينيين: «الأيام دى صعبة»، متهماً الإعلام بشكل واضح فيما آلت إليه أوضاع الفلسطينيين فى العريش، وما يكال إليهم من اتهامات: «ربنا يفك المحنة على خير»، غير أنه مقتنع أن إسرائيل هى التى تقف وراء العمليات الإرهابية التى تحدث فى سيناء.
يتذكر «أبوشعبان» حين كان الحاكم العسكرى المصرى يحكم «غزة» والخمسة جنيهات التى كان يتقاضاها من «عبدالناصر» التى منحها للطلاب الفلسطينيين فى مصر، ويتمنى أن يقف الرئيس عبدالفتاح السيسى مع الفلسطينيين كما كان «ناصر» معهم: «الفلسطينى عايش لا مع ده ولا مع ده، هو لاقى ياكل؟»، الرجل سمعته فى العريش تعطيه حصانة تحرمه من أى مضايقات: «عمرى ما اشتكيت من أى ضابط، كلهم ناس أفاضل».
يتمنى «أبوشعبان» أن يحصل على الجنسية المصرية، فممتلكات والده فى يافا هى التى منعته من الحصول عليها حتى يستطيع الحصول على الميراث: «أبويا كان على أمل يرجع بلده تانى».