"الوطن" فى قرية "الموت بالسرطان"

كتب: نظيمة البحراوى

"الوطن" فى قرية "الموت بالسرطان"

"الوطن" فى قرية "الموت بالسرطان"

لا شىء أصعب من انتظار الموت، قد يأتى الآن أو غداً، لكنه فى النهاية سيأتى، فعندما يصيب السرطان الجسد، يكون الموت مسألة وقت، وفى حى السلام بمدينة كفر صقر بالشرقية، يأتى الموت فيخطف بعض الأرواح ويتأهب لارتكاب نفس الفعل من جديد، باختصار هذا الحى أصابه السرطان، حصد أرواحاً كثيرة ولا يزال، والأسباب بالنسبة للأهالى غير معروفة، إلا أنهم يتهمون 3 أبراج لتقوية شبكات المحمول بالكارثة، وهو ما أكد صحته المتخصصون، ويطالب أهالى القرية المسئولين بسرعة تشكيل لجنة من مديرية الصحة، وأساتذة كلية الطب بجامعة الزقازيق، لدراسة الظاهرة الخطيرة ومعرفة أسبابها للقضاء عليها حرصاً على حياة الأهالى خاصة الأطفال، «الوطن» ترصد فى هذا التحقيق شهادات الأهالى عن المأساة كاملة وتجاهل المسئولين واستمرار الموت. «منذ ما يقرب من 8 سنوات انتشر مرض السرطان بين الأهالى، ووصلت أعداد الحالات لأكثر من 40 متوفى ومصاباً»، بتلك العبارة بدأ صلاح السيد عبدالرحمن، حديثه معنا، وتابع قائلاً: «تقدمنا بشكاوى للمسئولين بقطاع الصحة ومحدش سأل فينا، كأن انتشار المرض بين الأهالى شىء عادى لا يستحق اهتمام المسئولين»، وأضاف: «أصيب والدى السيد عبدالرحمن، 67 عاماً، بمرض سرطان القولون منذ عدة سنوات وظل يعانى من المرض عاماً كاملاً حتى توفاه الله».[FirstQuote] وتابع «إحنا ناس بسيطة والعيشة غالية، ووالدى رفض يتعالج ورفض مطالبنا له بالذهاب للأطباء، وكان يردد: «أنا خلاص كبرت وأنا عارف إن المرض ده بيموت، وأنا مش خايف من لقاء الله، سيبونى إحنا مش حمل تكاليف علاج مرض زى ده وربنا يعجل بأمره ويختارنى». واستطرد: «عقب وفاة والدى بعامين فوجئنا بإصابة شقيقى الأصغر علاء، 32 عاماً، بمرض سرطان الغدة الليمفاوية، وكان ذلك بعد زواجه بنحو 6 أشهر، وبدأ رحلة العلاج المستمرة حتى الآن منذ عام 2010»، مشيراً إلى أنهم لم يدركوا فى بداية الأمر نوع المرض حيث لم يشخصه الأطباء فى البداية بأنه سرطان، وإنما تم التشخيص بورم فى الغدة، سينجح العلاج فى إنهاء وجودها، وبالطبع ومع استخدام العلاج اختفى الورم قليلاً، ثم عاد للظهور مرة أخرى فقرر الطبيب المعالج استئصال الورم، وأوضح أنه سرطان وبالفعل تم استئصاله ثم حولنا على مستشفى الأورام بمستشفى الزقازيق الجامعى، وبدأ فى رحلة علاج باهظة التكاليف حيث يحصل على 24 جرعة كيماوى، و24 جرعة إشعاع وذلك بتكلفة 5 آلاف جنيه شهرياً، تتحمل منها الدولة 1000 جنيه فقط طبقاً لقرار العلاج على نفقة الدولة. وتقول زوجة شقيقه: «المعاناة مش فى المرض بس، لا ده حتى فى العلاج كمان، إحنا لما بنروح المستشفى عشان جرعة العلاج بننتظر فترات طويلة وممكن نبات لحد تانى يوم لما سرير يفضى والمشكلة مش فى الأطباء ولا التمريض لأنهم بيتعاملوا معانا كويس، إنما المشكلة فى نقص الإمكانيات والأدوية»، لافته إلى أنهم فى أوقات كثيرة يضطرون لشراء أى مستلزمات طبية مثل «السرنجة» على نفقتهم الخاصة، وتابعت: «أنا عاوزة بس ربنا يشفى جوزى عشان خاطر بنتنا اللى مكملتش 3 سنين، وعشان يرتاح من المرض الأليم اللى بينهش فى جسمه ودمر حياتنا اللى كنا لسه بنبدأها»، لافتة إلى أن زوجها ترك عمله بعد أن أنهك المرض قواه وأنهم يعيشون على مساعدات الأقارب والأهالى». ويعود «صلاح» ويواصل كلامه: «ابنى الصغير السيد، 11 سنة، أصيب هو الآخر بورم فى الغدة وتوجهت به للأطباء وفشلوا فى علاجه حتى قررت أذهب لمستشفى (57357) للأورام، وعلى الرغم من انتظارى يومين كاملين كان أحدهما إجازة عيد الفطر الماضى، وفى اليوم الثانى كان عدد المرضى اكتمل، وأبلغنى أحد الموظفين أنهم لا يستطيعون استقبال أى مرضى حتى تمكنت من الدخول فى اليوم الثالث، وبمجرد دخولى يصحبنى ابنى شعرنا بالاطمئنان فالعمل يسير على قدم وساق من أجل راحة المرضى، كما أن كل شىء بالمجان بداية من الكشف والتحاليل والأدوية وصولاً لإجراء عملية ابنى التى تم خلالها استئصال الورم وتبين أن الورم حميد، إلا أن الأطباء أخبرونى بأن الخلايا لا تزال نشطة ويمكن تكوين الورم مرة أخرى وتطور الأمر ليتحول لورم خبيث (سرطان) إذا ما استمرت نفس العوامل المسببة للمرض». ويضيف: «أصابع اتهام الأهالى تشير للإشعاعات المنبعثة من ثلاثة أبراج لتقوية شبكات المحمول الثلاث، والموضوعة فوق أسطح 3 منازل متجاورة ولا يفصل بينها وبين منازل الأهالى أى مسافات وتغذى تلك الأبراج مدينة كفر صقر بأكملها»، مشيراً إلى أنه تم ظهور حالات الإصابة بمرض السرطان عقب تركيب تلك الأبراج واحداً تلو الآخر دون مراعاة ضرورة وجود مسافات تفصل بينها وبين المنازل لتفادى تعرض الأهالى لمخاطر الإشعاعات الناتجة عنها.[SecondQuote] وفى شارع محمود عطية، بحى السلام، لا تزال قصة جيرانهم الذين هجروا منزلهم بعد وفاة اثنين من أبنائهم بمرض السرطان منذ نحو 4 سنوات، هما محمد السيد يوسف، 28 عاماً، وشقيقه «يوسف»، 24 عاماً، عالقة بأذهان الناس، وكيف أنهم تركوا المنزل وذهبوا للإقامة فى مكان يبعد عنه هرباً وخوفاً من إصابة أى من أفراد الأسرة الآخرين. ويقول أمين عبدالعزيز، 25 عاماً، كهربائى سيارات: أصبت بمرض سرطان القولون منذ عامين، وتم استئصال جزء من الأمعاء وأستكمل علاجى، مشيراً إلى أنه لولا مساعدة شقيقه له والعمل بورشته فترات قليلة لفشلت فى تحمل نفقات العلاج أو الإنفاق على أطفالى، مناشداً المسئولين البحث عن أسباب انتشار ذلك المرض بينهم، خاصة أنه لا يترك كبيراً أو صغيراً أو رجلاً أو سيدة أو شاباً أو عجوزاً. ويشير إلى أن المرض أصاب الكثيرين من نفس المنطقة وهم «السيد عبدالرحمن محمد، 67 عاماً، ومحمد السيد يوسف، ويوسف السيد يوسف، وفاطمة غياتى سيد أحمد، 60 عاماً، وسامح محمد على، 48 عاماً، مصاب بسرطان بالمخ، وبدرية عبدالمجيد، وجنى محمود ثروت، 5 سنوات، وحبيبة إيهاب طلعت 3 سنوات، مصابة بسرطان بالدم، وحسن السيد كعويش، وعواطف محمد أحمد. كما توفى بسبب المرض، السيد أحمد العربى، 34 عاماً، منذ حوالى شهر، كما توفى حسن السيد عبده، 47 عاماً، منذ 4 أشهر بعد إصابته بالسرطان، وترك 4 أطفال لا عائل لهم، وتوفيت أيضاً بدرية عبدالمجيد، 30 عاماً، بعد معاناتها مع مرض السرطان لمدة عام كامل». ويقول عبدالعزيز أحمد أمين، 24 عاماً، إنه أصيب بسرطان المثانة منذ عامين، ووالدته التى تعمل بائعة خضار هى من تتولى الإنفاق عليه وطفلته بخلاف أشقائة الصغار بعد أن أعجزه المرض عن العمل. من جانبه يقول الدكتور عاطف عامر، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الزقازيق، إن أكثر من 100 عالم فى جامعة بوسطون وهارفارد اعتبروا أبراج المحمول مصدر خطر للإشعاع، وأثبتت الدراسات أن من يسكنون فى حدود 300 متر من الأبراج على مدار عدة سنوات معرضون للإصابة بالسرطان ثلاثة أضعاف الذى يسكنون بعيداً عن هذه الأبراج.[ThirdQuote] ويشير «عامر» إلى أن أبراج المحمول تتسبب فى العديد من إصابات الأهالى بـ«الصداع، اضطرابات النوم، عدم الراحة، التأثير على الجهاز المناعى وأمراض العيون، وتشوهات الأجنة، وضعف التركيز، وصولاً للإصابة بالسرطان وموت المصاب بالجرعات الإشعاعية العالية»، مؤكداً ضرورة إبعاد تلك الأبراج عن المناطق السكنية بمسافة آمنة.