عالم موازٍ يختلف عن عالمنا الذى نعيش فيه، ينافسه، يتغلب عليه يوماً بعد يوم، يخصم منه مساحات جديدة لصالحه، مساحات تتزايد يومياً لتضاف إلى جمهورية افتراضية تأسست قبل عقدين ونصف عقد، لكنها لم تبدأ فى الانتشار والتوغل والسيطرة إلا فى الأعوام العشرة الأخيرة، ليزداد تأثيرها ويتضاعف تعداد شعبها حتى تجاوز 3 مليارات مواطن افتراضى حول العالم، أى ما يقارب نصف سكان الكرة الأرضية، حسب تقرير أصدره الاتحاد الدولى للاتصالات التابع للأمم المتحدة، منهم ما يزيد على مليار مواطن أعضاء بدولة الـ«فيس بوك». أولى القواعد هنا أنه لا قواعد. فى جمهورية الإنترنت الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعى التابعة لها تستطيع أن تهاجم، تؤيد، ترفض، تقبل، تسب، تمدح، تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أو غير الحسنة، أو لا تدعو أساساً لتتبنى أفكاراً أخرى تدور حول السياسة أو الفلسفة أو الفن أو الرياضة أو الجنس أو المخدرات، هنا فى «محلات وأكشاك» التواصل الفضائى تجد كل ما تبحث عنه، حُسناً كان أو سوءاً، وكل ما يسرك أو يقبض قلبك، وكل ما يعنيك أو لا يعنيك على الإطلاق. البداية كانت وسيلة للترفيه، تحولت إلى وسيلة للتواصل، تحولت إلى جرعات مخدرة تجرى فى الدماء، وتجرى بأصحابها فى فلك آخر غير الذى وُلدوا فيه ووجدوا عليه آباءهم.. تغييرات كبيرة تحدث تدريجياً، وأعراض تبدأ فى الظهور بعد فترة من الوقت، ليصبح الشخص غير الشخص، ويتغير الأداء، ويختلف السلوك، وتتبدل التعاليم والمفاهيم والعادات والتقاليد كلها فى العالم المُقنّع الجديد تحت شعار «مزق دفاترك القديمة كلها».
فى الخمسينات والستينات ظهرت بدايات الإنترنت فى استخدامات عسكرية لوزارة الدفاع الأمريكية، ثم بدأ استخدامه مدنياً بعد أعوام قصيرة، وتطور سريعاً وصولاً إلى 1991، العام الذى شهد ظهور مفهوم «world wide web» أى «الشبكة العنكبوتية العالمية» لأول مرة، وسارت عمليات التطوير والانتشار على قدم وساق، حتى جاءت الطفرة الكبرى مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعى، على رأسها «فيس بوك» 2004، ثم «تويتر» 2006. وكشف تقرير دولى عن اتجاهات وعادات مستخدمى شبكات التواصل الاجتماعى، أعدته شركة «ميديا ديجيتال ساينس» المتخصصة فى بحوث الإعلام الرقمى والذكاء الاصطناعى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن مستخدمى الإنترنت بمصر وصل عددهم إلى 40 مليون مستخدم بنهاية عام 2014، يقضون ما يتراوح ما بين 3 و7 ساعات يومياً على الشبكة، منهم 22 مليون مستخدم لـ«فيس بوك»، مقارنة بـ16 مليون فقط لعام 2013، فيما تتراوح أعمار 45% منهم بين 18 و25 عاماً.
على مقهى شعبى فى أحد الأحياء الشعبية، يجلس الثلاثة، لا يتحدث أحد، ولا ينظر أحدهم إلى الآخر، يطالع كل منه هاتفه الشخصى، يمرر إصبعه على الشاشة الذكية، تمر الثوانى وتتوالى الدقائق، والحال لا يختلف، حتى انقطعت «جلسة الصمت» بسؤال حول أثر التكنولوجيا الحديثة فى حياتهم. «أيمن على»، الرجل الأربعينى، قال بعد ابتسامة وبرهة من التفكير: «أنا بقعد على القهوة من 15 سنة، كنا بنضيع الوقت فى الشطرنج والطاولة، دلوقتى فيس بوك وتويتر هما البديل اللى بقينا نقضى عليهم وقت فراغنا. عندنا ساعات طويلة بعد انتهاء العمل، ومفيش نشاط معين إضافى بنقوم بيه، هنودى الساعات دى كلها فين»، «أيمن» الذى يعمل فى الاستيراد اعتبر أن «إدمان» التواصل الاجتماعى سببه تردى الأوضاع الاقتصادية والسياسية: «أوضاع سيئة على كل المستويات، ومفيش متنفس حقيقى، أعتقد أن لو هناك استقرار سياسى سليم وتنمية اقتصادية وثقافية شاملة، ستقل هذه الساعات، لأننا هنلاقى مجالات أخرى وحياة تانية نمارسها ونهتم بيها»، «إيهاب فرج»، الذى يجلس عن يمين «أيمن»، التقط طرف الحديث، قائلاً: «اكتملت أركان دولة (وكأن).. وكأن عندنا سياسة، وكأن عندنا فن، وكأن عندنا تواصل اجتماعى حقيقى»، موضحاً أن التكنولوجيا أثّرت سلبياً على العلاقات الاجتماعية، بين أفراد الأسرة الواحدة، أو الأصدقاء، أو حتى فى علاقات الحب «العلاقات بقت سطحية وسريعة وفقدت معناها وجوهرها. كله بقى عبارة عن شكليات بتجرى بسرعة، فى ظل غياب للقيمة الحقيقية»، رأى «أيمن» و«إيهاب» اختلف مع ثالثهم «أحمد عبدالتواب»، الذى يعمل محاسباً بأحد البنوك، الأصغر سناً من صديقيه بنحو 15 عاماً، قال: «تكنولوجيا التواصل الحديثة مفيدة طبعاً، قرّبت المسافات، وسهّلت التواصل، وخلت العالم كله بقى قرية صغيرة، بنقدر نشوف أى حاجة بتحصل فى العالم من خلال شاشة صغيرة، ده غير فوائدها فى مجالات العمل المختلفة»، الشاب العشرينى أكد أنه من الصعب الاستغناء عن هذه الأداة «ماينفعش نستنغى عنها، أنا ماشى بالشاحن علشان لو الموبيل فصل فى أى مكان أشحنه وأنا بره البيت، يبقى ازاى نستغنى عنها. بالعكس انتشارها هيزيد، وتأثيرها هيبقى أكبر بمرور الوقت».[FirstQuote]
تباين آراء الأصدقاء الثلاثة الذين عاودا النظر إلى شاشاتهم الصغيرة فور انتهاء الحديث، اعتبره الدكتور محمد أحمد سيد، أستاذ علم الاجتماع، تبايناً يعكس الوجوه المختلفة لـ«العالم الافتراضى الجديد»: «التكنولوجيا ليست كلها شر، لكن لها وجوهاً عديدة بعضها إيجابى وبعضها سلبى»، موضحاً أن أبرز مظاهر الجانب السلبى: «انتشار الإباحية، استبدال القيم، التأثير على الهوية الثقافية سلبياً، انتشار دعوات التطرف سواء الدينية أو الإلحادية، تجميد العلاقات الأسرية والعاطفية والاجتماعية بين الأصدقاء»، مستدركاً: «الاجتماع على وجبة غداء مشتركة، أو الجلوس فى مناقشة متعددة الأطراف، اللى بنسميها قعدة دردشة، كانت سمة أساسية من سمات المجتمع المصرى، لكنها بدأت تتوارى وتختفى، وحل بدلاً منها التواصل الاجتماعى الثانوى غير المباشر»، أما عن الجانب الإيجابى، فقال: «وسيلة لزيادة المعرفة سواء العلمية أو الإنسانية، والتعرف على أفراد جدد، وأفكار جديدة، ونشر مبادرات إيجابية، والتواصل عن بعد، وتعظيم الأدوار الجماعية، والاحتكاك بثقافات مختلفة بعيداً عن مشقة السفر الطويل التى كان يحتاجها الفرد لاكتساب هذا الأمر». أستاذ علم الاجتماع أكد أنه كلما كانت المجتمعات أقل نمواً كانت نسبة الوعى أقل، وبالتالى استخدام التكنولوجيا بشكل خاطئ ومعدلات خاطئة، والتأثر بمظاهرها السلبية دون الفوائد والإيجابيات، مضيفاً أن الغرب كان فى حاجة لتلك المواقع أكثر من المجتمع الشرقى: «المجتمع الغربى يفتقد الجوانب الاجتماعية والروحية على حساب الجانب العملى، وبالتالى فكرة إنشاء مواقع للتواصل الاجتماعى كانت مفيدة له لإحداث شىء من التوازن أو إيجاد البديل لعلاقات غائبة، أما فى مجتمعاتنا الشرقية فنحن فى حاجة لمواقع للتواصل العملى أكثر من التواصل الاجتماعى، لم نكن بحاجة إلى تواصل اجتماعى فضائى فى مجتمع الجزء الأكبر من ثقافته روحى واجتماعى».
يجلس إسلام عبدالله، وحيداً فى أحد كافيهات منطقة وسط البلد، يطالع حسابه الشخصى على «فيس بوك» عبر هاتفه المحمول، الشاب العشرينى الذى تخرّج فى كلية العلوم بجامعة القاهرة أكد أهمية الإنترنت عموماً فى حياته، والتواصل الاجتماعى على وجه الخصوص، موضحاً أنه لا يتصور العودة 20 عاماً للوراء، والعيش فى «مجتمع مغلق» حسب وصفه، بلا اتصال تكنولوجى حديث: «الحياة هتكون صعبة جداً فى هذه الحالة، التواصل سواء من خلال البريد الإلكترونى فيما يتعلق بالعمل، أو فيس بوك وواتس آب فيما يتعلق بالأصدقاء، أصبح شيئاً مهماً جداً وجزءاً أساسياً فى طبيعة الحياة اليومية، خاصة أن هذا العالم أصبح الوسيلة الأساسية فى الاطلاع على الأخبار ومتابعة الأحداث التى تدور فى مصر أو العالم»، مستدركاً: «مش هموت من غير فيس بوك أكيد، لكن حركة الحياة هتقف بصورة كبيرة». «إسلام» الذى يعمل بإحدى شركات الأدوية، بالرغم من تأكيده على ضرورة وسائل التواصل الإلكترونى، أشار لوجود سلبيات عديدة خلّفتها تلك الوسائل، لاحظها هو فى دائرة الأفراد الذين يتواصل معهم بشكل يومى: «لاحظت أن هناك حالة انفصام بين الشخصيات على البروفايل الخاص بهم ونفس الشخصيات فى الحقيقة، اختلاف كبير كأن الشخص اللى بشوفه وبتكلم معاه فى الحقيقة فى شارع أو على مقهى أو جهة عمل بيتحول 180 درجة خلال وجوده على فيس بوك»، «إسلام» يحاول أن يفسر ملاحظته، قائلاً: «قد تكون رغبة من الشخص فى اصطناع حالة مختلفة أو الظهور بشكل مثالى يتمناه لكنه لا يستطيع الوصول إليه، وأحياناً يلجأ كثيرون لاختيار عبارات وصور وفيديوهات معينة، محل إثارة أو إعجاب، للحصول على لايك كتير.. عدد إشارات اللايك بقى أهم حاجة عند كتير من اللى أعرفهم على فيس بوك»، الحالة التى وصفها «إسلام» بأنها تدعو لـ«الشفقة»، ويتسم بها جيل هو أحد أبنائه جعلت مواقع التواصل الاجتماعى، حسب وصفه، تتحول تدريجياً إلى «عالم موازٍ» يهرب إليه الأفراد، ويتحوّلون فيه إلى شخصيات أخرى مغايرة على خلاف حقيقتهم. سلبيات عديدة يرصدها خلال حديثه، تؤثر سلوكياً ونفسياً على الدائرة المحيطة به، لكنها لا تمنعه من معاودة التأكيد على أهمية «فيس بوك» وإخوته من وسائل الاتصال الحديثة فى حياته الشخصية: «رغم كل ده، مانقدرش نستغنى على التكنولوجيا والتواصل الاجتماعى، حتى دعوات المقاطعة للإنترنت فشلت فى معظمها، لأن فكرة المقاطعة مش سهلة أبداً بالنسبة لوسيلة دخلت فى طبيعة ونمط الحياة والاتصال بين البشر وبقت جزء رئيسى فى الحياة».[SecondQuote]
«الانفصام» بين الواقع والعالم الفضائى الذى ذكره الشاب العشرينى، مرض نفسى اسمه «تناقض وجدانى» ازداد انتشاره فى الأعوام الأخيرة، بحسب الدكتور أحمد فخرى، استشارى علم النفس، قائلاً: «عبارة عن رغبة فى الهروب من الواقع وما يحيط به من أعراف وتقاليد وقوانين منظمة تفرض ضروباً من القيود على الأفعال والكلام مما يدفع الشخص إلى الانفصال عن نفسه، والدخول فى شخصية أخرى من صنع خياله، ما يمنع نضج الفرد ويعوق نموه النفسى»، لكن «التناقض الوجدانى» ليس التأثير السلبى الوحيد الذى يخلّفه «العالم الافتراضى»، فهناك تأثيرات أخرى عديدة أشد وأكثر خطورة، بحسب أستاذ الطب النفسى، أبرزها عدم القدرة على التعامل مع الضغوط الحياتية اليومية ومواجهة المشكلات، وعدم القدرة على شغل وقت الفراغ بهوايات متنوعة أو إقامة علاقات اجتماعية جيدة بسبب الخجل أو الانطواء، والشعور بالخواء النفسى والوحدة، والهروب من الواقع بضرب من الخيال فى علاقات تُفتقد فيها الحميمية مع الآخر. مؤكداً أن غالبية الأفراد الذين يقعون فى «مصيدة الإنترنت» لأوقات طويلة يعانون من بعض الاضطرابات النفسية المتمثلة فى الاكتئاب، القلق، اضطرابات النوم، التلعثم، الانطواء الاجتماعى، وغيرها من المخاطر، أخطرها ما سماه «الاغتراب النفسى»: «بعد أن يصبح الشخص غريباً عن الدائرة الواقعية المحيطة به، يتحول بعد فترة من الزمن إلى أن يصبح غريباً عن نفسه، ويفتقد أى شعور بالذات أو الانتماء للنفس، وتدريجياً يفتقد الشعور بأى قيمة للحياة، ويصبح أكثر عرضة لتبنى أفكار سلبية وربما اللجوء للانتحار».
المكوث لساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب، أو الهاتف الذكى المرافق فى الشارع والمقهى والمواصلات وأثناء ساعات العمل وحتى فراش النوم، شكل من أشكال الإدمان «غير الدوائى»، بحسب «د. فخرى»، مثل إدمان المقامرة أو التسوق أو الاستهلاك: «مفهوم الإدمان يعنى فقد السيطرة على السلوك، بما يعجز معه المرء عن إيقاف هذا السلوك غير المرغوب، بالرغم من عواقب هذا السلوك على الفرد من حيث القلق والتوتر وتغير المزاج للأسوأ وغيرها من أعراض الانسحاب سواء على المستوى النفسى أو البدنى أو الاجتماعى، الأمر الذى ينطبق على ملايين المترددين على مواقع التواصل الاجتماعى لساعات طويلة»، الخبير النفسى لعلاج الإدمان أوضح أن الشخص الذى يستعمل الإنترنت فى بداية الأمر قد يكتفى بساعة أو يزيد قليلاً، ويصاحب ذلك الشعور المتعة فى بادئ الأمر، ومع تكرار محاولات الاستعمال واكتشاف المواقع المختلفة والمتنوعة وتكوين شبكة أصدقاء ومعارف ودائرة اهتمام والانفتاح على العالم الخارجى بأسره يبدأ التحول من حب الاستطلاع والفضول إلى تولد شعور ملح بالحاجة إلى المزيد والمزيد ومن ثم فقد القدرة على السيطرة النفس وعدم التحكم فى التوقف على حب الاستطلاع والفضول، أملاً فى الوصول إلى نفس المتعة السابقة والشعور بالراحة والحالة المزاجية التى كان يحققها فى بداية تعامله مع الإنترنت، ويجد المستعمل نفسه يعانى من القلق والتوتر وحدة المزاج والعصبية الزائدة وأحياناً أخرى من الخمول وقلة النشاط ناهيك عن الانسحاب الاجتماعى وتقطع التواصل الاجتماعى الواقعى»، مؤكداً أن إدمان «العالم الموازى» يمر بنفس مراحل الإدمان الشائع وهو إدمان المخدرات، بل أيضاً يمر الشخص بالأعراض نفسها التى يمر بها المدمن الحقيقى، وإن اختلفت من حيث شدة الأعراض البدنية، فالأعراض النفسية والحنين للإدمان تتشابه إلى حد كبير.
لا يقتصر تأثير وسائل التواصل الاجتماعى على ذلك فحسب، بل هى تلعب دوراً سلبياً فى مستوى الشعور بالرضا، سواء تجاه الحالة العامة للدولة والمجتمع، أو الحياة الشخصية للفرد. البروفسير إيتان كروس، عالم النفس الاجتماعى، فى دراسة أصدرها عن جامعة ميتشيجان الأمريكية، قال إن «فيس بوك»، وغيره من المواقع المشابهة يبدو للوهلة الأولى مصدراً لتحقيق حاجة إنسانية فى التواصل الاجتماعى، لكن النتائج بمرور الوقت تؤدى إلى عكس ذلك، خاصة مع الشباب. «كروس» توصّل فى نهاية دراسته إلى أنه «كلما كثر استخدام فيس بوك قل مستوى الرضا لدى الأفراد. وكلما قل استخدامه فى مقابل زيادة للتواصل المباشر بين الأفراد ارتفع مستوى الرضا»، الأمر نفسه أكدته دراسة صادرة عن جامعتى «هامبولد» و«دارمستاد» الألمانيتين، أشارت إلى أن واحداً من بين كل ثلاثة أشخاص على «فيس بوك» يشعر بـ«سوء المزاج» عقب كل زيارة إلى الموقع، ويتولد لديه إحساس بعدم الرضا عن حياته، فضلاً عن مجموعة من المشاعر السلبية الأخرى، مثل الوحدة والحسد والإحباط والغضب. فيما ذكرت دراسة أخرى لجامعة «بايلور» الأمريكية أن مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة «فيس بوك»، ساهمت فى نشر الكراهية، حيث زادت معدلات نشر المواد التى تتضمن سخرية وعنصرية واستغلالاً لحرية التعبير المتوفرة فيها وعدم وجود رقابة كما هو الحال فى وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة.[ThirdQuote]
«الجميع تحت السيطرة»، عبارة لخّص بها عادل عبدالصادق، مدير المركز العربى لأبحاث الفضاء الإلكترونى، حالة التداخل الشديدة بين تكنولوجيا التواصل الحديثة وحياة الأفراد، قائلاً إن الفرد المستخدم لمواقع التواصل الاجتماعى فى بيئة يغيب عنها الوعى والثقافة، مثل أغلب دول العالم النامى، يتحول تدريجياً إلى «أداة» متناسخة من ملايين الأدوات الأخرى التى تقوم بنفس الدور، ونفس العمل فى ساعات استهلاك طويلة، ما يصب فى النهاية لخدمة دائرة ضيقة من شركات الإنترنت والاتصالات الكبرى صاحبة الاستفادة الوحيدة التى تتعامل مع الأعضاء على اعتبارهم مجرد أرقام حسابية تتنافس عليها: «يجب نشر ثقافة استخدام التكنولوجيا حتى لا نصبح جميعاً مجرد أرقام لدى شركات وجهات أخرى مستفيدة، ويجب أيضاً الموازنة بين الحق فى حرية التواصل والمعرفة والتعبير والرأى، وما بين ما يمثل تهديداً لحياة الأفراد الاجتماعية وسلامة المجتمع وأمن الدولة بشكل عام، فحرية الرأى والتعبير تحتاج إلى تنظيم استخدامها لعدم إلحاق الضرر النفسى والمادى بالأفراد أو مؤسسات الدولة، وهو ما لجأت إليه أعتى الديمقراطيات فى العالم، حيث أقدمت بريطانيا والولايات المتحدة على فرض قيود على استخدام شبكات التواصل الاجتماعى بعد دورها فى دعم الاحتجاجات والشغب بهما ونشر دعوات الكراهية أو التحريض».
ضبط استخدام الأفراد لوسائل التواصل الاجتماعى وتنظيم تعاملهم معها للخروج من سيطرة القوى الاقتصادية أو السياسية المستفيدة من سوء الاستخدام وشراهة الإقبال المتواصل فى دول الشرق الأوسط، ومنها مصر، يحتاج إلى منظومة شاملة، وليست مجرد قيود قانونية أو أمنية، يقول «عبدالصادق»: «نحتاج إلى استراتيجية شاملة بكافة الأبعاد الأخرى ذات المنحى الاخلاقى والعلمى والاجتماعى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى والقانونى، ويتطلب ذلك تنمية دور الفرد ذاته ووعيه وثقافته التى تؤهله إلى عدم الاستجابة إلى الشائعات وتفنيد المعلومات التى ترد إليه، والوعى بأمن المعلومات وعدم السقوط ضحية للإدمان الإلكترونى بما يخلّف من تأثيرات سلبية تنعكس على حياة الفرد، وأيضاً العمل على نشر ثقافة أمن المعلومات وحماية المستخدم على شبكة الإنترنت وخاصة الأطفال، وتغليظ العقوبات لمكافحة الجريمة الإلكترونية، وتحديث الإطار القانونى الذى يحافظ على خصوصية الأفراد وأمنهم».
دعوات متكررة بالمقاطعة ذهبت ولم تعد، وواقع يبدو غير مؤهل لاستقبال دعوات جديدة، فى ظل استهلاك يتزايد، وعدد ساعات ترتفع، ودائرة انتشار تتسع يومياً لتضم عشرات الأعضاء الجدد إلى يوتوبيا «العالم الفضائى»، الجميع يهرب إلى حياة «البوست» و«الشير» و«اللايك»، ماكينة التواصل الاجتماعى التى تستنسخ الأفراد فى هيئات متشابهة، ليتحدثوا حديثاً متشابهاً، بطريقة متشابهة، وأداء متشابه، وتترك مخلّفاتها المُحمّلة بالأمراض النفسية والاجتماعية، وعشرات المخاطر التى تهدد سلامة الفرد والمجتمع والدولة، لصالح فرد آخر افتراضى، ومجتمع آخر افتراضى، ودولة أخرى افتراضية، لا يتجلى حاكمها، لكنه موجود، يطلع ويتحكم ويراقب ويجمع فى خزائنه عوائد الربح وحده.