فى رحلة من محطة مصر، فى القاهرة، إلى «ورش السكك الحديدية» فى طنطا، استقلت «الوطن»، «جرار» قطار «قشاش»، يقف فى الطريق أكثر مما يسير، فى ظل حاجته المتكررة إلى الصيانة، على الرغم من أن دخوله الخدمة لم يمر عليه أكثر من 5 سنوات. سائق القطار، الذى رافقناه فى رحلته، وهو يقود جراراً من طراز 2100، جنرال إليكتريك، أمريكية الصنع، قال: «الجرار اللى إحنا فيه، مكملش خدمة 5 سنين على بعض، والمشكلة عندنا إن الجرار لا يدخل الصيانة إلا عندما تسوء حالته، وتصل للتهالك». وصل القطار إلى محطة «طنطا»، ومنها إلى ورش الصيانة، التى تعد واحدة من أكبر ثلاث ورشات على مستوى الجمهورية، لصيانة عربات وجرارات قطار السكك الحديدية، وهى مسئولة عن ثلث خطوط السكة الحديد فى مصر.
أحد الفنيين بورشة طنطا، طلب عدم ذكر اسمه، بدأ حديثه قائلاً: «فى كلام هيتقال مش هيعجب الناس اللى فوق، الناس اللى فى القاهرة دى بتجيب لينا ناس معندهاش دراية بالشغل، إحنا بقالنا فترة على الوضع ده، فالمهمات الخاصة بإعداد وصيانة القطار، غير متوفرة، فعلى سبيل المثال، أنا طلبت قطع غيار لصيانة أحد الجرارات، إلا أنها غير متوفرة، فقال لنا المسئولون اتصرفوا، ولا أعرف أتصرف إزاى؟!». وتابع: «هناك بعض الجرارات المُعدمة داخل الورشة، نستخدمها كقطع غيار أثناء عملية الصيانة للجرارات الأخرى».
داخل ورشة الصيانة فى «طنطا»، العديد من الجرارات المُعدمة، خرجت من الخدمة، وأخرى لا تختلف عنها فى الحالة، ما زالت تعمل، رغم مرور سنوات عديدة عليها، بينما تجد نوعاً آخر من الجرارات يبدو من مظهرها أنها جديدة، غير مستغلة، ومعطلة لعدم وجود قطع الغيار اللازمة لصيانتها، وإعادة تشغيلها مجدداً، على الرغم من أنه لم يمر على دخولها الخدمة سوى 5 سنوات أو أقل.
أضاف فنى الصيانة: «يوجد لدينا عدد من الورش والمصانع، يمكنها توفير قطع غيار مناسبة لعمليات الصيانة، ما يسهم فى إعادة تشغيل تلك القطارات بسهولة وبشكل غير مكلف، بدلاً من استيراد المهمات من الخارج، لكن ذلك لا يحدث، وكأن هناك من يريد لنا أن نستمر فى الاستيراد، فيه ناس عايزة كده، عشان مصالحها، إلا أننا غالباً ما نلجأ لاستخدام قطع غيار قديمة، لسد العجز».[FirstQuote]
أشار «الفنى» إلى أنه فى 1995، حدثت أزمة فى فرامل العربات التى لم تكن متوفرة، مستطرداً: «كنا نبحث عن أى فرامل قديمة، ونحاول تركيبها وتشغيلها مرة أخرى، على الرغم من أن هذه الحلول لم تكن جيدة، ونحن كفنيين توصلنا إلى حل مناسب لهذه الأزمة، فعرضنا على المسئول المباشر إدخال تعديل على الفرامل المتوافرة لدينا تسمح بتركيبها على كافة أنواع الجرارات وعربات القطارات، إلا أن المسئول رد علينا قائلاً: (انتوا عايزينى ألبس البيجامة وأقعد فى البيت)، لأن لكل نوع من الفرامل ميزانية خاصة به، وبالطبع توحيد ميزانية كل أنواع الفرامل، سيقلل من النفقات، وسيقضى على مصالح المستفيدين، وهو ما لم يرضى المسئولين فى الهيئة وقتها».
وأوضح «الفنى»، أن ورشة الصيانة فى طنطا، من أهم ثلاث ورشات على مستوى الجمهورية فى صيانة القطارات، بل تُعد الأهم، لما يبذل فيها من جهد فى أعمال الصيانة، متابعاً: «أنضف شغل فى جرارات أو عربيات هى ورشة طنطا، برغم كل الظروف التى نواجهها، إلا أن أحسن عمرة لعربات القطارات تُنفذ هنا، والورشة تجرى صيانة لنحو 3 جرارات يومياً».
من جانبه، قال «أبوأحمد»، أحد سائقى قطار السكة الحديد، إنه منذ بضع سنوات، تم تقسيم طرق القطارات داخل الهيئة إلى 3 مسافات، «خطوط طويلة، قصيرة، وبضائع»، ما أدى إلى إهدار حقوق السائقين، وعدم وجود عدالة بينهم، لأن أكثر السائقين معاناة هم سائقو المسافات القصيرة، نظراً لطول المسافات التى يسيرون عليها، وعدد المحطات التى يقفون بها.
وأضاف: «سائقو القطارات، هم أكثر المتضررين من عدم صيانتها بصورة كاملة، لأنهم من يتعاملون معها ومع أعطالها ومشاكلها بشكل مباشر خلال رحلاتهم، كما أنهم المسئولون عن سلامة وصول الركاب إلى محطاتهم، فنحن نسير على شريط رفيع ولو أن القطار يفتقد إلى الصيانة الدورية والجيدة، ستنقلب بنا والركاب».
تابع الرجل الخمسينى: «جرارات القطار يجب إجراء صيانة يومية لها، ومتابعتها من فنى الميكانيكا والكهرباء، لكن من المؤسف أن الصيانة لا تكتمل لعدم توافر المهمات وقطع الغيار اللازمة، ما يجعل الفنيين يستخدمون بدائل لتسيير الرحلة، كأن يضع (حتة كرتونة) أو (علبة كشرى) يسد بها الجزء الفارغ داخل الجرار».
وأشار «أبو أحمد» إلى أن السائق المصرى من أفضل سائقى القطارات فى العالم، متابعاً: «بنشتغل فى أكتر من 9 أنواع جرارات فى نفس الوقت، وده مش موجود فى العالم، وعلى الرغم من ذلك فإن نسبة نجاحه فى إنهاء رحلته بسلام ضعيفة، لولا حنكته وقدرته على تدارك الموقف، لأن وسائل الأمان المتوفرة فى القطارات تكاد تكون منعدمة، وكل ما يشغل المسئولين، أن يخرج السائق أمامهم فى رحلته دون أى مشاكل فى الجرار، لكن هناك بعض المضايقات التى تحدث من الرؤساء فى حالة رفض أحدهم الخروج لعيوب أو مشاكل فى الجرار، على الرغم من إن تعليمات الهيئة تمنعه من الخروج بالرحلة فى حالة عدم تجهيز وصيانة الجرار بصورة كاملة».
وأشار إلى أن «للسائق صلاحيات كثيرة باعتباره المسئول الأول عن القطار منذ بداية تحركه حتى وصوله»، مضيفاً: «صلاحياتى تمنحنى حق الامتناع عن التحرك إذا لم يكن القطار جاهزاً، أيضاً السائق يعرف كل شىء داخل الجرار، حتى إنه يعمل كميكانيكى أو كهربائى، فى حالة وجود أعطال فى الجرار خلال الرحلة».
وأكد «أبو أحمد» ضرورة خضوع الجرارات لصيانة يومية، يتم فيها الكشف على المياه والزيت والفرامل، كما تدخل صيانة دورية كل 15 يوماً، وهو ما لا يمكن أن يتحرك السائق بدونها، قائلاً «كان زمان السواق مختلف عن دلوقت، مسنود بإدارة عارفة شغلها كويس، وعارفة مكانته وبيعلموا شغله، هو كان أقل تعليماً من الأيام دى، دلوقت السواق أكثر فهماً وأكثر تعليماً، وأكثر إدراكاً لكل ما حوله لكن ظروفه أسوأ، لأن إدارته ترغمه يمشى غلط».[SecondQuote]
وعن نوعيات الجرارات الموجودة حالياً فى الخدمة، قال «تامر»، أحد سائقى السكك الحديدية، إن أعباء السكة الحديد، تتحملها حالياً جرارات «هنشل 3100» وهى طراز ألمانى الصنع، وطراز «3900» كندية الصنع، فهذه الأنواع هى التى لا تزال تعمل بكامل قوتها، على الرغم من أنها دخلت الخدمة فى ثمانينات القرن الماضى، مضيفاً: «صفقات الجرارات الحديثة، غير مجدية، فالجرار الذى سافرنا به إلى طنطا عمره لا يتعدى 5 سنوات، ومع ذلك يحتاج إلى عمرة كاملة، وفيه العديد من المشاكل والعيوب الفنية، وهو من طراز 2100 جنرال إلكتريك، أمريكى الصنع، وكذلك القطار طراز 2400 جنرال إلكتريك» لافتاً إلى أن القطار الأخير لم يعمل سوى عدة شهور، ومع أول عطل فيه توقف نهائياً لأنه لا توجد له قطع غيار.
أوضح «تامر»، أن صفقة الجرارات الأمريكية، كانت أكثر الصفقات التى عقدتها هيئة السكة الحديد، من حيث الخسارة، لأنها لم تسر وفق الإجراءات المعتادة فى الهيئة من تشكيل لجنة فنية، من «فنى كهرباء ومهندس كهرباء، ومهندس ميكانيكا وفنى ميكانيكا»، وآخرين لتقييم الشحنة المراد استيرادها، ومدى ملاءمة الجرارات لطبيعة الطقس فى مصر، والتربة التى تسير عليها، واتضح بعد أن استوردنا الشحنة أنها غير مطابقة للمواصفات فى مصر، وعندما شكونا منها اتهمونا بالجهل».