"يوسف" فى المرحلة الأخيرة من العلاج: "الشفقة هي اللى بتموّتنا"

كتب: رحاب لؤى

"يوسف" فى المرحلة الأخيرة من العلاج: "الشفقة هي اللى بتموّتنا"

"يوسف" فى المرحلة الأخيرة من العلاج: "الشفقة هي اللى بتموّتنا"

«نظرة مستفزة».. هكذا يصف كثير من مرضى السرطان الطريقة التى ينظر بها الأصحاء لهم، كلمات الرثاء والترهيب والفزع التى يغلف بها المصريون أحاديثهم عن «السرطان»، نظرات الشفقة العامرة بالأحكام (هذا سيموت وهذا سيعيش) التى يتعرض لها المصابون فى كل مكان تجعل الحياة مستحيلة وسط مجتمع يمتلك تلك الصورة الذهنية «البائسة» عن السرطان. يوسف جلال واحد من آلاف تصيبهم تلك النظرة بالكثير من الغضب، يتابع إعلانات التبرع التى تمطر المصريين فى شهر رمضان، وحتى خلال الأيام العادية، يدير وجهه سريعاً كى لا يصاب بمزيد من الغثيان، فمثل تلك الإعلانات كانت السبب فى تصوره المسبق عن السرطان: «السرطان بالنسبة ليا كان عبارة عن حالة إعياء مستمرة وتعب وألم وسقوط للشعر وموت فى الآخر».[FirstQuote] على الرغم من إصابة جده وعمه وصديقه بالمرض فإنه ظل على أطراف هذا العالم، يتابعه محوقلاً ومستعيذاً بالله من شر «السرطان»: «كان ليا صديق مصاب بالمرض فى العضم، اتعالج سنين وفى الآخر مات، كمان ابن صاحب والدى دخل رحلة علاج طويلة ومات فى الآخر». لم يكد يوسف يبلغ الـ17 من عمره حتى اكتشف إصابته بـ«السرطان»، لتبدأ حالته النفسية فى الانحدار: «كنت رافض العلاج، ومعتبر الإصابة نهاية المطاف». يوسف، الذى يدرس الآن بعامه الثانى فى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، اكتشف قبل أكثر من عامين إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية: «كنت عارف إن الموضوع مش سهل، اكتأبت وأُحبطت ورفضت العلاج، لكن حصلت على دعم نفسى كبير خلانى أتماسك وأكمّل». حديث متواصل عن التبرعات وأنها الأمل لإنقاذ حياة مريض السرطان، يتابعها فى إعلانات الشارع والتلفاز وحديث الشخصيات العامة طوال الوقت، يشمئز يوسف من الفكرة: «وتفيد بإيه الفلوس مع مريض نفسيته زى الزفت؟ بتجيبوه فى أضعف حالاته عشان تصوروا إعلان تبرعات؟ حتى معهد الأورام نفسه حاطط لزواره صورة طفل شعره واقع وفى سرير المرض نايم بضعف شديد! جايين لأضعف وأصعب مراحل المرض عشان يصوروها ويطلّعوها من غير أدنى شعور بالذنب تجاه المرضى». تابع الشاب مرضى عديدين متيسرى الأحوال تغلّب عليهم المرض: «كان معاهم فلوس ومش محتاجين تبرعات لكن حالتهم النفسية كانت سيئة لذلك حالاتهم اتأخرت وماتوا». عامان ونصف فى التجربة جعلت يوسف يوقن: «الجو العام فى مصر قاتل لمريض السرطان، أنا جرّبته بنفسى من أول إعلانات التليفزيون اللى بتتاجر بينا عشان تعاطف رخيص، لحد تعاملات الناس العادية معانا».. يذكر الدرعمى حين ذاع خبر مرضه فى كليته وجاء الزملاء ليسلموا عليه: «زميلة جات تقول لى ألف سلامة عليك، ماما قالت لى سلمى عليه وامشى على طول عشان مايعديكيش، معلش مش هعرف أمشى جنبك!». التجربة كشفت ليوسف عدة حقائق: «السرطان مش موت، الإعلانات بتقولك لو مالحقتش المريض بالتبرع هيموت، ده غلط، محدش هيعيش عشان التبرعات، الناس بتموت فعلاً من حالتها النفسية السيئة، الموت والحياة مش بإيد حد، الفكرة كلها إن يبقى فيه اهتمام بصحته وكلام إيجابى حقيقى، السرطان مش نهاية ومش موت، العكس صحيح». يوسف الذى أطلق صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» يعرض من خلالها تجربته مع «السرطان» عبر حلقات متتالية يرى أن المرض مثّل بداية بالنسبة له بالذات: «اتسألت سؤال قبل كده: متوقع إنك تخف ولا، صحيح أنا فى مراحل العلاج الأخيرة، لكن أنا شايف إنى خفيت بالفعل، لسه بتعالج لكن عايش حياتى بصورة طبيعية جداً ماتخليش حد يشك إنى مريض، السرطان خلانى أعمل كل الحاجات اللى عشت حياتى أتمناها وماعملتهاش. عهد خاص قطعه يوسف على نفسه منذ بداية المرض: «مش هعمل حاجة غصب عنى أبداً» جعله يرفض «حلاقة» شعره على «الزيرو» أو ارتداء «كاب»، كان مشهد رأسه مع الشعر المتساقط بعدم انتظام مضحك للبعض: «كان عندى دايرة مافيهاش شعر فى راسى من ورا، كنت قاعد فى أمسية شعرية ومجموعة بنات ورايا مش مبطلين تريقة على راسى وشكلها، لفيت لهم وطلبت منهم بأدب إنهم ما يتريقوش عليا بصوت عالى، فردوا عليا بسخافة وكملوا تريقة وانا سامعهم فرفعت إيدى وطلبت أقول حاجة فى المايك للجمهور، ووقفت فعلاً على المسرح اتكلمت أكتر من ساعة ونص عن تجربتى كلها، سنة ونص من العلاج والتعب، وريتهم شعرى عامل ازاى، وفهّمتهم السر وطلبت الناس ماتتريقش على حد ماتعرفش ظروفه إيه، كنت فرحان لأنى مادمّعتش ولا انفعلت ولا زعلت، حكيت القصة وعينى فى عين اللى اتريقوا عليا.. لما خلصت لقيت تسقيف شديد، ودموع فى عيون ناس كتير، ماكنتش فاهم بيعيطوا ليه؟ المسألة مش مش محتاجة عياط ولا شفقة ولا كل الدراما اللى بتحصل، محتاج عقل وذكاء فى التعامل ورحمة.. بس كده».[SecondQuote] عشرات المواقف مر بها الشاب لكنه لم ينس أبداً موقف أساتذته فى الجامعة: «رحت لهم أول ما أُصبت بالمرض عشان يعملوا ليا استثناءات فى حضور المحاضرات، لكن رفضوا واتعاملوا معايا على إنى بتدلع، كنت بطلع من جلسات الكيماوى على الكلية أحضر محاضراتى عشان ماروحش البيت أنام واتعب، بحاول أسرّى عن نفسى وسط الأصحاب، فى مرة رجعت من الجلسة على محاضرة، لكن ماقدرتش أكمل، فاستأذنت الدكتور إنى أخرج أروّح، لما شاف شعرى من ورا قال لى قدام الطلبة كلهم انت رايح تقابل الشيطان؟ يا ابنى عيب تعمل فى شعرك كده، وقعد يتكلم كتير عن أصول الحلاقة، لما خلص كلامه أخدت منه المايك وبدأت أتكلم قصاد كل الطلبة، فى الوقت ده ماكانش حد يعرف بمرضى غير اتنين زملاء فقط، حتى الدكتور نفسه نسى إنى رحت له مرة أول السنة أستأذنه فى استثناءات الحضور والالتزام، قلت كل اللى جوايا، وكانت تانى مرة أمسك مايك وأقف قدام عشرات الناس أتكلم عن قصتى اللى بعتبرها قصة نجاح وتميز». يرى يوسف أن مصابى السرطان يتحولون مع الوقت إلى شخصيات لها خصوصية شديدة: «إحنا بنخرج من التجربة دى مش هاممنا حد، شايفين الدنيا بحجمها الطبيعى، حتى الأطفال الصغيرين بعد التجربة دى بيكون عندهم قدر غير طبيعى من الحكمة وبيكون كلامهم مؤثر جداً ونظرتهم للدنيا بتختلف».. من الأحلام التى حققها يوسف الكتابة، بدأ الشاب فى كتابة حلقات متوالية عن التجربة يتابعها عدة آلاف على صفحته الشخصية ويطالبونه بالمزيد من اليوميات والقصص: «لو غبت يوم عن الكتابة الناس بتقعد تقول لى: فين الجديد؟ مانكرش إنى ساعات بحس بإحباط زى أى حد بتحصل له ظروف خارجة عن إرادته، لكن أمى علمتنى إن الحزن والغضب مكانهم أوضتى، قالت لى طول ما انت فى البيت احزن واغضب واتعب وخد راحتك على الآخر، لكن لما تطلع للناس بره لازم تكون قوى عشان ماتزودش همّ حد ولا تعبه». يقضى يوسف جزءاً كبيراً من وقته حالياً فى زيارة مرضى السرطان الجدد ليعرض عليهم تجربته ويؤكد لهم أن سقوط الشعر أمر مؤقت، مدللاً لهم بلحيته وشعره الكثيف حالياً: «كل يوم بشوف حد جديد، والنصيحة بتختلف حسب العقلية، لما بلاقى حد فى سنى بقول له إن ربنا مش بيدى حد فوق طاقته، وإن ده تحدى زيه زى الفشل فى الدراسة أو الفشل فى العلاقات الاجتماعية، وإن الدنيا مش سبق، الدنيا رحلة لازم نعيشها بالراحة حتى لو كنا تعبانين، ولما بيكون طفل صغير بحاول أوضح له إن شعره هيرجع أحلى من الأول وإن دى مرحلة مؤقتة مش زى ما بيطلّعوا الناس فى التليفزيون».