بروفايل| «عبدالناصر» «ثورة» زعيم

كتب: إمام أحمد

بروفايل| «عبدالناصر» «ثورة» زعيم

بروفايل| «عبدالناصر» «ثورة» زعيم

طويلاً كنخل الصعيد، قوياً مثل السد العالى فى الجنوب، واسعاً مثل شاطئ الإسكندرية فى الشمال، باهياً مثل سطوع الشمس فى الكفور والنجوع، صاخباً كضجيج ماكينات الغزل والنسيج فى المصانع، حارقاً كنار الحديد والصلب، صادقاً ككل فلاح، مخلصاً ككل عامل، وصلاً بين ماضٍ ومستقبل كقناة تصل بين بحرين، هبةً جاء للمصريين وعطياً كنيل يهب ويعطى بغير حساب، حاراً كصيف مصر الحار، دافئاً كشتائها الدافئ، جاء وذهب على عجل، كحلم استغرق عقدين إلا قليلاً، حلم لا يزال يحلمه المصريون، ويذكرونه من كل عام فى ذكرى الميلاد والممات والثورة التى أنهت احتلالاً وألغت ملكية وأسست لحكم المصرى للمصرى بعد عقود طويلة من حكم الغرباء. جمال عبدالناصر، حلم أمة تجسد فى شخص، الحلم كان جميلاً، لكنه انتهى كابوساً مفزعاً، فحلم الخلاص انتهى إلى احتلال جديد لفيروز مصر، وحلم النصر انتهى إلى هزيمة كاسرة، وحلم الوطن الأكبر انتهى إلى وطن جريح وممزق. «انتهى عصر الفساد والاستبداد والهوان، وبدأ عصر الحرية والكرامة والعزة»، كمؤذن فجر علت صيحته فى نهاية ليلٍ ساكن ومظلم قال «عبدالناصر». صيحة تهللت لها زغاريد الشعب، ودقت معها الطبول فى كل مكان، ساحة العمل، وساحة الحب وساحة الحرب، على مدار ثمانية عشر عاماً بعد ثورة 23 يوليو التى قادها «ناصر» ورفاقه من الضباط الأحرار، لكن الصيحة تبدلت فى نهاية المسيرة، وانخفضت حدة الصوت، وتوقفت الزغاريد، وسكتت دقات الطبول، ليخرج القائد بعد هزيمة موجعة معلناً تنحيه عن منصبه، قائلاً بنبرة من يوارى الألم ويتجرع مرارة الأسى ويتأوه من وجع السقوط: «إننى على استعداد لتحمل المسئولية كلها». لم يدُم عمره طويلاً بعد «يونيو الحزين»، 3 أعوام بالكاد قضاها «ناصر المهزوم»، القائد الذى بات يعوّل على أمة كانت تعوّل عليه، فخسرها وخسرته، وانتهى الحلم الجميل، إثر نوبة أصابت قلباً مات مرتين، الأولى مع الهزيمة، والثانية بعدها فى سبتمبر 1970. «أبا خالدٍ.. يا قصيدة شعرٍ تُقالُ؛ فيخضرٌّ منها المدادْ.. إلى أين؟ يا فارس الحلم تمضى.. وما الشوط.. حين يموت الجوادْ؟ إلى أين؟ وكل الأساطير ماتتْ بموتك». رثاء الوطن العربى على لسان شاعره، شاعر الأرض والحب، نزار قبانى، وهو من وراء «جمال» رثاء لثورة لم يبق منها إلا الذكرى والحلم، ذكرى مضت وحلم لم يمضِ بعد، فلم يكن «أبوخالد» رئيساً للبلاد بقدر ما كان حلماً فى نفوس العباد.. سقط الرئيس، انهزم الرئيس، مات الرئيس، وبقى الحلم قائماً فى القلوب، حاضراً فى عقل المصريين الباطن، يستدعونه فى كل حراك، وفى كل أزمة، وفى كل نداء يخرج من القلب، وفى كل ميدان يخرجون إليه أو صندوق اقتراع يقفون أمامه.