"القاهرة" و"طهران".. تاريخ طويل من "الشد والجذب"

كتب: محمد البلاسى

"القاهرة" و"طهران".. تاريخ طويل من "الشد والجذب"

"القاهرة" و"طهران".. تاريخ طويل من "الشد والجذب"

يعود تاريخ العلاقات بين مصر وإيران فى العصر الحديث إلى القرن التاسع عشر، وبالتحديد عام 1847 عندما تم افتتاح قنصلية لرعاية المصالح الإيرانية فى القاهرة، وتعيين أول سفير إيرانى فى مصر، ثم توقيع اتفاقات صداقة بين البلدين فى عام 1928، وتطورت العلاقات بزواج بين العائلتين الملكيتين، حيث تزوجت الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق من ولى عهد إيران آنذاك محمد رضا بهلوى، ومنذ ذلك الحين مرت العلاقات بين الدولتين بمفارقات غريبة، وظلت تراوح مكانها بين التعاون والصراع، وقبل ثورة 23 يوليو كانت العلاقات بين مصر وإيران علاقات تعاون، وذلك بسبب عدة عوامل منها تشابه نظم الحكم، علاوة على أن البلدين كانا متحالفين مع بريطانيا. ودخلت العلاقات مرحلة الصراع بعد نكبة فلسطين عام 1948 وقيام دولة إسرائيل، حيث اعترفت إيران بدولة إسرائيل، وكانت أول دولة إسلامية يكون بينها وبين إسرائيل تنسيق دبلوماسى عام 1960، وبعد فترة من قيام ثورة يوليو 1952 وإلغاء النظام الملكى دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة الصراع، وخلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات شهدت تحسناً طفيفاً، بالتوازى مع تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن سقوط نظام الشاه فى إيران وتوقيع اتفاق السلام مع إسرائيل سرعان ما أعاد العلاقات إلى ما كانت عليه من تنافس وصراع، وتأرجحت العلاقة ما بين الشد والجذب خلال عهد حسنى مبارك، وحدث تقارب نوعى خلال عهد محمد مرسى، وعقب عزله عاد التوتر بين البلدين لاختلافات فى المصالح والسياسة الخارجية. وخلال العهد الملكى كانت طبيعة العلاقات بين الدولتين جيدة فى جوانبها المختلفة، ولم تشهد أى تغيرات كبيرة خلال تلك الفترة، وذلك لأن مصالح البلدين لم تتعارض ولم يصل التنافس بينهما إلى حد التوتر أو الصدام، كما أن تلك العلاقات لم تتعرض لأى أزمات على مستوى السياسة الخارجية، ومن جهة أخرى لم يكن كل من الاتحاد السوفيتى السابق والولايات المتحدة قد مارسا أى ضغوط أو محاولات استقطاب للدولتين على غرار ما حدث خلال الخمسينات والستينات، ولهذا كانت تحركات مصر وإيران فى المحافل الدولية عبارة عن دبلوماسية تقليدية وتحركات معتادة، كما كانت الظروف السياسية متشابهة فى كلتا الدولتين، ففى عام 1941 اجتاحت القوات البريطانية والسوفيتية الأراضى الإيرانية، وأجبرت الشاه رضا بهلوى على التنازل عن العرش، وأكدت بريطانيا سيطرتها على الخليج العربى، وفى مصر كانت بريطانيا تحتل البلاد وتسيطر على قناة السويس، وزاد التدخل البريطانى فى 4 فبراير 1942، حيث قامت الدبابات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، وخيّر السفير البريطانى فى القاهرة السير مايلز لامبسون، الملك فاروق بين استدعاء زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا لتشكيل الحكومة بمفرده، أو أن يتنازل عن العرش. وعقب ثورة يوليو لم تطرأ فى البداية أى تغيرات على العلاقات المصرية الإيرانية، بل إن تزامن الثورة مع وجود حكومة محمد مصدق فى إيران جعل التوجهات السياسية للبلدين شبه واحدة، وأصبحت الأهداف المشتركة عاملاً مساعداً، خاصة بعد سحب حكومة «مصدق» الاعتراف الإيرانى بإسرائيل فى يوليو 1951، علاوة على أن مصدق خاض معركة التأميم، وهو ما كان مثار اهتمام عبدالناصر، وكل ذلك ساعد فى تقوية العلاقات، إضافة إلى مسارعة الحكومة الإيرانية إلى الاعتراف بثورة يوليو وتأييدها لها، لكن عقب الإطاحة بـ«مصدق» وقيام حلف بغداد عام 1954، الذى شاركت فيه إيران، أصبح هناك تعارض بين المصالح الإيرانية والمصرية، لأن مصر فى عهد عبدالناصر كانت ترى أن الخطر والتهديد المحتمل هو إسرائيل، فى حين كانت إيران ترى أن المصدر الحقيقى للخطر هو الاتحاد السوفيتى، كما أن مصر كانت تعارض سياسة الأحلاف بين البلدان العربية والدول الكبرى لأنه يتناقض مع مبدأ الحياد.[FirstQuote] وخلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات رحب الشاه محمد رضا بهلوى المؤيد للولايات المتحدة بتصريح الرئيس السادات بأن حل قضية الشرق الأوسط بيد واشنطن فقط، وتبادل «السادات» و«بهلوى» الزيارات وأقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة، واستمر هذا الحال إلى عام 1979 حتى قيام الثورة الإيرانية وهروب الشاه، وسيطرة آية الله الخمينى على الحكم، ثم توترت العلاقات بين البلدين عقب قرار مصر باستضافة «بهلوى» بعد أن رفضت الولايات المتحدة استضافته، وعقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بادرت طهران بقطع العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة، وبعد اغتيال «السادات» عام 1981 أطلقت إيران اسم قاتله خالد الإسلامبولى على أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة، وهو ما زاد من توتر العلاقات وطالبت مصر إيران بإزالة ذلك الاسم، وتم تغييره عام 2004. وفى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، كان تأييد مصر للعراق فى حربها ضد إيران العامل الأقوى فى التأثير على العلاقات، ولكن فور انتهاء الحرب نشطت الوفود المتبادلة بين الدولتين واستمرت العلاقات فى تحسن حتى غزو العراق للكويت، فبدأت العلاقات تتوتر بعد تأييد مصر لقوات التحالف الدولى لتحرير الكويت، بينما اعتبرت إيران بقاء القوات الأمريكية فى الخليج تهديداً لأمنها القومى، لكن البلدين عملا على تحسين العلاقات، فاستمرت زيارات الوفود، وعادت العلاقات الدبلوماسية على مستوى مكاتب رعاية المصالح عام 1991، ولم يؤثر تباين وجهات النظر بشأن القضية الفلسطينية، وسبل حلها على مستوى العلاقات السياسية، ووصلت العلاقات عام 2003 إلى مرحلة متقدمة، عبر عنها اللقاء الذى جمع الرئيسين محمد خاتمى وحسنى مبارك فى سويسرا على هامش مؤتمر قمة المعلوماتية، لكن التوتر عاد من جديد عام 2004 عندما أعلن النائب العام فى مصر إحباط أجهزة الأمن محاولة إيرانية لتجنيد جاسوس مصرى عن طريق دبلوماسى إيرانى، ثم تدهورت العلاقات إلى الأسوأ على خلفية النفوذ الإيرانى المتزايد فى العراق، لكن ذلك لم يمنع البلدين من توقيع أول بروتوكول بينهما، يقضى باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين القاهرة وطهران عام 2010. وقال السفير أحمد الغمراوى، مساعد وزير الخارجية الأسبق ورئيس جمعية الصداقة المصرية الإيرانية، لموقع «المونيتور»: إن الولايات المتحدة كانت تعارض أى تقارب مصرى إيرانى لأنه لا يخدم مصالحها، وكانت هناك بالفعل قرارات لإعادة العلاقات المصرية الإيرانية كاملة خلال فترة حكم الرئيسين حسنى مبارك ومحمد خاتمى، على أن تعلن تلك القرارات فى القاهرة وطهران فى آن واحد، ولكن الجانب الأمريكى مارس ضغوطاً على «مبارك» فأوقف إصدارها، أما الآن فإن هناك مصلحة للجانب الأمريكى فى التقارب بين إيران ومصر لمواجهة خطر تنظيم «داعش» والتطرف بصفة عامة. وخلال عهد الرئيس الأسبق محمد مرسى حققت العلاقات بين البلدين قفزة نوعية، حيث كان أول رئيس مصرى يزور إيران بعد سقوط نظام الشاه، لحضور القمة السادسة عشرة لحركة عدم الانحياز فى طهران عام 2012، ورد الرئيس الإيرانى آنذاك محمود أحمدى نجاد الزيارة وحضر إلى القاهرة أوائل عام 2013 فى أول زيارة يقوم بها رئيس إيرانى للبلاد منذ نحو 34 عاماً لحضور القمة الإسلامية. وعقب عزل مرسى عادت العلاقات للانغلاق بعض الشىء، ولا يزال التوتر على حاله، بالرغم من تصريحات مسئولى البلدين بالاستعداد لتطوير تلك العلاقات، منها تصريح مساعد وزير الخارجية الإيرانى، حسين أمير عبداللهيان، العام الماضى، عن استعداد بلاده لعقد قمة رباعية تجمع مصر وتركيا والسعودية إلى جانب إيران، وكذلك بيان الخارجية المصرية عن أملها فى أن يكون الاتفاق النووى الإيرانى شاملاً متكاملاً ويؤدى إلى منع نشوب سباق للتسلح فى الشرق الأوسط وتحقيق الاستقرار والأمن فى المنطقة.