خبراء غربيون: التقارب المصرى - الإيرانى "ممكن".. لكنه لن يتحقق
شهدت العلاقات المصرية - الإيرانية تقلباً وصفه المحللون والمراقبون بأنه أشبه بـ«رقصة التانجو»، وعلى الرغم من التوصل لاتفاق نووى بين إيران والقوى الكبرى، فإن المحللين والمراقبين يؤكدون أن هذا الاتفاق لن يغير أى شىء فى طبيعة العلاقات بين القاهرة وطهران، حتى بالرغم من المميزات التى يمكن أن تحظى بها الدولتان فى حال تطبيع العلاقات والتأسيس لتبادل تجارى واقتصادى بينهما.
وبحسب روبرت مانسون، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة البريطانية فى مصر، والزميل الزائر بمركز الدراسات الدولية بكلية الاقتصاد فى لندن، فإن «إيران ومصر تمتلكان العديد من المميزات المشتركة، مثل التقارب الجيوجغرافى والمقاربات المتشابهة فيما يتعلق بقضية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل فى المنطقة ورفض امتناع توقيع إسرائيل على معاهدة نزع تلك الأسلحة حتى الآن، إضافة إلى دعم القضية الفلسطينية ومعارضة الغزو الأمريكى للعراق عام 2003»، ويضيف «مانسون»: «والتشابه هنا ليس سياسياً فقط، فهناك تشابهات اجتماعية وثقافية أيضاً، وهو ما يجعل احتمالات التقارب على أساس تلك التشابهات جيداً حتى الآن».
وأضاف «مانسون»: «فى عام 2001 تضررت العلاقات الثنائية التجارية بين مصر وإيران، ويمكن لتلك العلاقات أن تعود من جديد وتتحسن، ولكن فى حالة واحدة فقط هى إعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية والسياسية، ووضعها على مسار التقدم، خاصة أن مصر لا تمنح تأشيرات لأى من الإيرانيين تقريباً باستثناء الدبلوماسيين لزيارة أراضيها، رغم أن مصر لديها 7 مزارات شيعية تقريباً يمكنها أن تجذب ما يزيد على 50 ألف إيرانى فى حال الموافقة على منح التأشيرات، وفى المقابل يمكن أن تستثمر إيران فى الصناعات النفطية فى مصر». وأشار الأستاذ البريطانى إلى أن «القاهرة تعتمد فى الوقت الحالى على المساعدات والاستثمارات الخليجية، كما أن العلاقات مع السعودية شهدت تحسناً كبيراً فى الفترة الماضية، وهو ما يجعل سياسات الرياض والقاهرة مرتبطة إلى حد ما، وبالتالى فإن التقارب السياسى بين مصر وإيران صعب إلى حد ما فى الفترة الحالية»، مضيفاً: «أما فى حالة إسرائيل، فإن مصر كانت رائدة فى تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية من خلال اتفاقية السلام، فى حين أن إيران تسعى إلى دعم حزب الله فى لبنان و(حماس) فى فلسطين، أملاً فى تحدى النفوذ الإسرائيلى، كما أنها تدعم الحوثيين فى اليمن، وهو ما يصيب قلب أى علاقات محتملة بين البلدين»، مؤكداً أنه فى ظل تلك الحقائق القائمة فإن فرص إقامة علاقات طبيعية بين مصر وإيران لا تزال غير ممكنة، دون التوصل إلى تسوية يمكن من خلالها تحقيق تصريحات مصر التى تؤكد أن أمن الخليج جزء من أمنها، جنباً إلى جنب مع التقارب مع إيران.
من جانبه، قال موقع «المونيتور» الإخبارى الأمريكى، فى تحليل سابق له، إن الاتفاق النووى مع إيران قد يغير من طبيعة العلاقات بين القاهرة وطهران ولكن فى حدود معينة، لافتاً إلى أن مصادر مصرية مسئولة أكدت له أنه يمكن إعادة العلاقات مع إيران بشرط أن تكون فى مصلحة مصر، مؤكداً أن العلاقات مع إيران لا تتوقف على الموقف الخليجى وإنما على المصالح المصرية فى المنطقة ومدى احترام طهران لسيادة دول المنطقة، وقال الموقع الأمريكى إن العلاقات بين البلدين لا تزال مجالاً مفتوحاً للتطورات السريعة المتلاحقة فى المنطقة، وهو ما يشير إلى وجود احتمالات بعودة العلاقات من جديد استناداً إلى مجريات الأمور وتطوراتها، خصوصاً أن إدارة الرئيس عبدالفتاح السيسى تسعى إلى إحداث نوع من التوازن فى المنطقة من خلال إدارة العلاقات الدولية مع كل الأطراف بشكل لا يتعارض مع أمن الخليج، وهو ما يعنى أن مصر ستظل تتعامل بحذر فى المرحلة المقبلة مع المسألة الإيرانية حتى بالرغم من التوصل لاتفاق بشأن البرنامج النووى، فى محاولة من الجانب المصرى للحفاظ على الهوية والمصالح المصرية من أى تأثيرات محتملة.
فى الوقت نفسه، أشار المعهد الألمانى للدراسات الاستراتيجية، إلى أن العلاقات بين مصر وإيران أشبه بـ«رقصة التانجو»، حيث إنها تشهد تقلباً مستمراً استناداً إلى التطورات المتلاحقة وتغيرات الخريطة السياسية فى المنطقة، حيث ترى إيران فى تلك التغيرات فرصة للحصول على المزيد من النفوذ على دول مثل مصر، فى حين أن الجانب المصرى لا يرغب فى أن تسير الأمور فى هذا الطريق، ولفتت الدراسة الألمانية إلى أنه حتى بالرغم من التقارب النوعى الذى حدث فى عهد الرئيس الأسبق محمد مرسى، فإن الحقيقة تشير إلى وجود توتر بالرغم من هذا التقارب، خصوصاً بعد دعوة «مرسى» للجهاد فى سوريا ضد نظام الرئيس السورى بشار الأسد الذى تدعمه إيران.
من جانبه، قال المحلل العراقى بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية رياض محمد، إن الاتفاق النووى لا يعنى وقف سباق حصاد النفوذ فى الشرق الأوسط بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية، وعلى نطاق أضيق، كما لا يعنى على الإطلاق وقف الصراع بين مصر وإيران وتركيا على النفوذ فى المنطقة، وهو ما يعنى أن العلاقات لن تتغير على الأرجح عن شكلها الحالى.
وقال عدد من المحللين والمراقبين الغربيين، لموقع «ميدل إيست آى» الإخبارى البريطانى، إن الرئيس «السيسى» يجب أن يكون حذراً فى علاقاته مع السعودية إذا حاول التقارب مع إيران، حيث إن لديه التزامات مفروضة عليه بموجب التحالف القوى الذى نشأ مع السعودية خلال الفترة الماضية، وهو ما يعنى ضرورة الحذر حتى لا تنجر مصر إلى مستنقع المشاكل الإقليمية التى تعانى منها المنطقة، خصوصاً فى ظل الفترة الحالية التى تعانى مصر فيها بالأساس، وأضاف الموقع: «يعتقد البعض أن الاتفاق النووى سيساهم فى الفترة المقبلة فى إزالة التوتر بين مصر والجمهورية الإيرانية، إلا أن هناك تحفظات على هذا الرأى، وهى تتعلق بإغضاب مصر وحليفتها الرئيسية المملكة العربية السعودية، وهو أمر يضع مصر فى مأزق، حيث إن رفع العقوبات عن إيران يفتح المجال أمام مصر لمحاولة حل أزمتها الاقتصادية من خلال إنشاء علاقات تجارية موسعة مع إيران».
وأشار المحلل الإيرانى الأصل ريتشارد جواد، فى مقال بصحيفة «هافنجتون بوست» الأمريكية، إلى أنه حتى فى ظل التقارب المصرى الإيرانى فى عهد الرئيس الأسبق محمد مرسى، فإن هذا التقارب لم يكن من المحتمل أن ينتج عنه تحالف من أى نوع، مؤكداً أن نشأة محور مصرى - إيرانى فى المنطقة يعد أمراً «بعيد المنال وصعب التحقيق إن لم يكن مستحيلاً»، مضيفاً: «طهران كانت تأمل فى تحقيق أربعة أهداف رئيسية من خلال التقارب مع مصر فى عهد مرسى، كان أولها هو تأسيس محور مقاومة جديد فى المنطقة، إضافة إلى حل الأزمة السورية لصالح النظام السورى من خلال الدعم المصرى، ومواجهة النفوذ الغربى فى المنطقة، إضافة إلى الحصول على نصيب من الاقتصاد المصرى من خلال الاستثمار فى مشروعات الطاقة التى تحتاجها مصر بشدة»، مشيراً إلى أن «على عكس التوقعات الإيرانية، فقد واجهت طهران عقبات لا تحصى فى طريق تحقيق رؤيتها هذه لتأسيس محور مصرى إيرانى، خصوصاً أن مصر كانت مترددة لسنوات طويلة فى تأسيس علاقات مع هذا البلد بعد أكثر من 3 عقود على توتر العلاقات بينهما».