"رزق" عن "جوشر" القاتل: "ولادى كلهم مصابين بيه والكبيرة فيهم ماتت"
أجساد نحيلة، بطونها متضخمة، لا يتركها الألم، ولا تستطيع الحركة، أكباد أطفال تتألم داخل الأحشاء، وأكباد أخرى يصيبها الفزع على فلذات أكبادهم، التى مرضت منذ اليوم الأول لولادتها بمرض وراثى خطير، لم يسلم منه عشرات الأطفال، أطفال داخل الأسرة الواحدة أصيبوا بالمرض، أحدهم توفى لشدة مرضه، وآخر على فراش المرض لا يستطيع الحركة، والثالث طفل صغير تبحث أسرته عن علاج ينجيه من إصابة مضاعفة أو موت مكتوب عليه. مرض «جوشر» أحد الأمراض الوراثية المنتشرة فى العالم، عبارة عن اضطراب وراثى خلقى مزمن ومتزايد، نتيجة انخفاض مستوى إنزيم «جلوكوسيريبروسيديز» لدى المصابين به، ونتيجة لهذا النقص، تتكدس مادة دهنية فى الجسم، ويؤدى تراكمها فى الأعضاء والعظام إلى بروز أعراض تتراوح بين المتوسطة والحادة، يبدأ ظهورها فى أى مرحلة من عمر المصاب منذ الطفولة إلى مرحلة البلوغ. فيما يقدّر بأن واحداً من كل 40 إلى 60 ألفاً من عامة الناس يكون مصاباً بداء «جوشر»، أو قرابة العشرة آلاف شخص فى العالم. وينقسم المرض إلى ثلاثة أنواع أكثرها خطورة هو النوع الثانى، وأكثرها انتشاراً هو النوع الثالث، وهو المنتشر بين المرضى فى مصر.
يشخص الأطباء مرض «جوشر» عن طريق اختبار دم بسيط يسمى معايرة الإنزيمات. يعمل اختبار المعايرة الخاص بمرض «جوشر» على قياس مستويات نشاط إنزيم الجلوكوسيريبروسيديز فى خلايا الدم البيضاء أو خلايا الجلد. والأشخاص المصابون بمرض «جوشر» يعانون من مستويات منخفضة جداً من نشاط هذا الإنزيم.
على أريكة داخل بيت صغير بقرية تلبنت التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، جلس رزق سعد منصور، الرجل الخمسينى، يعمل مزارعاً ولديه 3 أبناء، جميعهم مصابون بمرض «جوشر»، يروى أن ابنته الكبرى «فرحة» توفيت منذ 8 سنوات، بعدما أصابها المرض منذ ولادتها، ولم يكن يعلم الرجل شيئاً عن هذا المرض فى ذلك الوقت، فلم يستطع «رزق» إنقاذ أول فرحته فى الدنيا، من مرض كان يأكل فى أحشائها، وأدى فى النهاية إلى وفاتها وهى طفلة صغيرة.
لكن «رزق» علم بمرض «جوشر» عندما أصاب ابنه الثانى «محمد» الذى توجه به إلى مستشفى طنطا، وتم حجزه 3 أشهر كاملة، دون تحديد التشخيص الأساسى له، وبعد خروج «محمد» من المستشفى دون أى نتيجة تُذكر، ذهب «رزق» إلى إخصائى كبد، الذى قال له إن الولد سوف يتوفى بعد يومين، فأصابه الجذع من المصير الذى سيلقاه «محمد» مثل أخته «فرحة»: «الدكتور قال لى ابنك هيموت بعد يومين، خده وروّح بيه».
اقترح على «رزق» أحد جيرانه التوجه بولده إلى مركز الدكتور محمد غنيم فى المنصورة، فتوجه إلى معهد الدكتور «غنيم»، الذى أجرى الكشف عليه وطلب منه عمل أشعة لمعرفة الحالة، بعدها قام «غنيم» بتحويل الحالة إلى استشارى أطفال بمستشفى الأطفال التابع لجامعة المنصورة، وقال الطبيب لـ«رزق»: «الولد ده هيتحجز عندنا وعلاجه هيكون هنا»، ويجب أن يتم عملية لاستئصال الطحال المتضخّم من داخل الجسم، ظن «رزق» أن التجربة التى عانى منها فى مستشفى «طنطا» سوف تتكرر مرة أخرى، لكن الطبيب أكد له أن ابنه يعانى من مرض يُسمى «جوشر» وعلاجه باهظ الثمن، ولا يمكنه علاجه على نفقته الخاصة، فهناك شركة أمريكية تساعد على توفير هذا الدواء داخل مستشفيات الأطفال التابعة للجامعات، وأن علاج «محمد» موجود، وسوف يتم حقنه بالدواء مدى الحياة.
يقول «رزق» إن ولده «محمد» الذى أجريت له عملية استئصال الطحال، يعانى بعدها من عدم القدرة على الحركة، وهو يبلغ الآن 11 سنة، رغم أنه يأخذ الدواء اللازم لعلاجه، التى حرمت منه أخته الكبرى قبل وفاتها، ويحرم منه أخوه الأصغر «رجب» المصاب بالمرض نفسه، لكن فى التوقيت الذى أصيب فيه «رجب»، أوقفت الشركة توريد أى أدوية جديدة للحالات فى مصر، وهو ما يعجز «رزق» عن توفيره لولده الأصغر، «أنا راجل فلاح وماقدرش أعالجه، وحتى العلاج نفسه مش موجود، كل اللى أنا عايزه إنهم يوفروا علاج لـ(رجب)، مفيش أى اهتمام بالمرضى خالص من الصحة، ولولا (محمد) دخل فى منظومة الدواء بتاعة الشركة الأمريكية، كان زمانه مات زى أخته».