"الوطن" تستقل مركباً فى النيل يوماً كاملاً: الرقابة ما زالت غائبة

كتب: إمام أحمد

"الوطن" تستقل مركباً فى النيل يوماً كاملاً: الرقابة ما زالت غائبة

"الوطن" تستقل مركباً فى النيل يوماً كاملاً: الرقابة ما زالت غائبة

«رحلة سعيدة».. عبارة عريضة مكتوبة باللون الأحمر، تحملها لافتة خشبية بيضاء تعلو واجهة مركب يرسو على ضفاف النيل بين عشرات المراكب الأخرى التى تصطف متجاورة فى طابور طويل ساكن، فى انتظار زبون بات خائفاً من غدر النهر والمراكب. لا حياة، لا حركة، لا صوت يعلو، لا أحد يغامر لقضاء رحلة سعيدة قد تنتهى به إلى الدار الآخرة على غرار رحلة «مركب الموت» الذى غرق قبل أيام بالقرب من منطقة الوراق، ومعه عشرات الضحايا من شهداء الفرحة الذين خرجوا فى فُسحة نيلية تحولت إلى «مهرجان للموت المجانى». الجميع يسير على رصيف الطريق مكتفياً بنظرة يلقيها من بعيد على المراكب الراسية، ليس فى منطقة الحادثة فحسب، ولكن على طول مجرى النيل بالقاهرة والجيزة، دون أن يفكر أحد فى تجاوز السور الحديدى الفاصل بين الطريق والنهر، وينزل عبر درجات أسمنتية قد يخطوها لآخر مرة، ليستقل أحد هذه المراكب ويبدأ رحلة ربما لا يعود بعدها إلى بر الأمان مجدداً. «الوطن» قررت خوض الرحلة وقضاء يوم كامل فى عرض النيل.. شريان حياة المصريين، و«مقبرتهم» أيضاً. خلال ساعة ما قبل الظهيرة، الحركة كانت تسير على قدم وساق برصيف كورنيش منطقة التحرير المزدحم دائماً، لكنها تغيب تماماً عن رصيف مراكب النزهة التى أصابها ركود موحش، بعض عاملى المراكب غارقون فى سبات بعد أن أصابهم اليأس من قدوم زائر، وآخرون يجلسون داخلها لا يحركون ساكناً، أحد هؤلاء كان «عم أحمد» الذى يجلس على أريكته داخل «مركب السعادة» وبوجه بائس ينظر إلى مياه النهر، وبين حين وآخر يلقى نظرة يائسة تجاه البوابة الحديدية الصغيرة التى لا يمر منها أحد. «اتفضل يا بيه»، قال عبارته بصوت عالٍ بعد أن انتفض من مكانه مسرعاً فور أن رأى شخصاً يقدم عليه من بعيد، قفز الرجل الأربعينى من المركب كشاب صغير السن، مقبلاً بخطى أسرع من «الزبون» الذى انتظره منذ طلوع النهار: «اتفضل يا حضرة، تحت أمرك، ساعة ولا أكتر؟». تكلفة قضاء ساعة فى رحلة خاصة على ظهر أحد هذه المراكب تتراوح بين 80 إلى 100 جنيه، بينما 3 جنيهات فقط، قد تزيد قليلاً إلى 5 جنيهات، هى «أجرة النفر» فى رحلة عامة تستمر لدقائق قليلة، ولا يقطعها المركب إلا بعد أن يمتلئ عن آخره بحمولة تفوق عادة حمولته الرسمية. النوع الثانى من الرحلات العامة، أو «اللفة» بحسب ما يصطلح عليها «أهل الكار»، توقف تماماً بعد الحادثة الأخيرة، نظراً لأن الإقبال انخفض بصورة كبيرة، فيما أصبح الأمل الوحيد لـ«شعب المراكبية» حالياً هو زبون الرحلة الخاصة الذى يستأجر المركب بمفرده أو بصبحة زوجة أو حبيبة أو بعض الأصدقاء للاستمتاع لمدة يحددها كما يشاء».[FirstQuote] «حالنا وقف، والكار انضرب، والكل بيحمّلنا مسئولية الناس اللى ماتت من كام يوم، وبياخدوا الحلو بالوحش. إحنا ناس غلابة بناكل لقمة عيش بالحلال، بنبسط الناس اللى مش هتقدر تدفع فى يخت كبير أو المراكب الإفرنجى بتاعة الفنادق والمطاعم. ليه الحملة اللى بتتعمل علينا، يعنى لو سبنا مراكبنا الحكومة هتوفر لنا وظيفة أو هتأكلنا وتشربنا»، يقول «عم أحمد» الذى يعول زوجة و5 أبناء، مستدركاً: «أنا وغيرى هنا فاتحين بيوت، وبنجرى على رزق ولادنا، لو فيه تقصير فى حادثة معينة يحاسبوا اللى قصّر، من غير تعميم على الكل، وإحنا موافقين نطبق أى تعليمات ونلتزم بالقواعد الصح، واللى يخرج عنها يتحاسب، لكن الحكومة والناس يفرقوا بين اللى ماشى مظبوط واللى ماشى غلط. وكل كار وفيه الوحش والسليم». يصمت متجهاً إلى مؤخرة المركب ليدير محرك القيادة ويبدأ الرحلة بعد أن تمتم بالبسملة، ثم قال: «اتكلنا على الله». عدة ساعات قضتها «الوطن» فى نهر كانت تزينه المراكب الصغيرة التى تنتشر كنمل الصيف، وتتعالى منها أغنيات الطرب الشعبى أو الطرب الأصيل، حسب ذوق الزبون و«نضافة ودانه»، لكنها اختفت الآن، لا تراها الأعين إلا راسية على الضفاف فى أحضان الحجارة الخرسانية، باستثناء واحدة بين الحين والآخر تستطيع الهرب من قيد الحجارة وجمود الرصيف إلى حركة المياه وبراحها الفسيح الممتد بطول النظر. رحلة بدأت قبل شمس الظهيرة واستمرت حتى الغروب لم يقطع سكينتها إلا أصوات اللنشات التابعة لدوريات الإنقاذ وشرطة المسطحات المائية التى تذهب وتعود بتكرار يحمل فى خلفيته حادثة راح ضحيتها أكثر من 30 شخصاً ينتمون جميعاً إلى «جمهورية الغلابة» التى لا تتردد أخبارها إلا فى صفحات الحوادث والوفيات، ولا تنتبه إليها الأجهزة المسئولة إلا بعد عويل وصراخ. الحركة المتكررة لقوارب المتابعة والإنقاذ بصورة ملحوظة تبعث فى النفس خوفاً وقلقاً أكثر مما تبعث من هدوء واطمئنان، فمع كل صيحة تأتى من بعيد يطل معها «شبح الوراق» مجدداً، يقول مراكبى السعادة: «حركة اللنشات زادت من ليلة الحادثة إياها، بيجروا ليل ونهار رغم أن المراكب نفسها وقفت ومابقتش تتحرك من مكانها ولا بقى فيه زبائن بيتفسحوا زى الأول»، رجال شرطة المسطحات المائية الذين يمرون مسرعين كالصواعق لم يتوقفوا ولو لمرة واحدة أمام أى من المراكب التى تفتقد كثيراً من إجراءات السلامة، وأبسطها وجود أطواق نجاة صغيرة وقمصان سباحة تحمى من الغرق، للاستعانة بها فى حالات الطوارئ. المركب كان يفتقد كل هذه الوسائل البدائية، والمراقبون كانوا يسيرون بجواره بشكل طبيعى دون أن تحدث أى أزمة. فى طريق العودة، بعد مسافة طويلة داخل النيل قطعها «عم أحمد» بالمركب الذى يعمل عليه منذ عدة سنوات، كانت أشعة الشمس قد مالت وانخفضت حدتها وبدت فى طريقها للغروب بعد قليل. الحال هو الحال، أبواق اللنشات ظلت تغرد وحيدة، والأجواء الطبيعية الجميلة حاضرة لا يعكر صفوها إلا مظاهر إهمال متعددة لا تهدد زائرى النيل وحدهم، لكنها تهدد النهر العظيم نفسه، النهر الذى أصبح هو و«المواطن الغلبان» فى خانة واحدة، كلاهما ضحية لغياب القانون والرقابة والضمير، فالتعدى على حق المواطن فى قضاء وقت للتنزه الآمن، ماثَله تعدٍّ على حقوق النيل بداية من زجاجات المياه الغازية والعلب البلاستيكية التى تعوم على أطرافه كأنه تحول إلى «مقلب كبير للقمامة»، مروراً بجرائم بعض المصانع والفنادق والمطاعم الكبرى التى تطل عليه وجعلت منه مستقراً لمخلفاتها، وصولاً لتعديات البناء عليه والاجتزاء منه على طول مجراه دون حسيب أو رقيب.أحمد الشامى، الخبير فى شئون المسطحات المائية والنقل النهرى، وصف الرقابة الخاصة بنهر النيل والأنشطة التى تجرى عليه بأنها «رقابة على ورق فقط»، مجرد إجراءات شكلية كانت سبباً أساسياً فى كارثة «مركب الوراق» التى قد تتكرر مجدداً، بحسبه، إذا لم تتغير الأوضاع بصورة جادة وشاملة: «لا يوجد رقابة حقيقية على جميع الأنشطة المتعلقة بالمجرى النيلى، ولا يوجد متخصصون منوطون بمتابعة دورية لأحوال المراكب سواء الخاصة بنقل البضائع أو السياحة والتنزه، والتراخيص تصدر بشكل روتينى، وأغلب المراكب الصغيرة لا تتبع أى إجراءات سلامة وحماية، وبعضها يعمل بلا تراخيص أساساً دون رقابة من أحد».. «الشامى» أوضح أن تعدد جهات الرقابة والإشراف على الأنشطة المائية، سواء نيل أو بحر، يتسبب فى حالة الفشل التى يشهدها هذا القطاع: «هناك وزارة نقل، ووزارة رى، وهيئات متعددة تقوم كل منها بدور معين، ما يؤدى على أرض الواقع إلى تداخل الأدوار وتضارب المسئوليات، وبالتالى لا بد فوراً من إنشاء وزارة جديدة باسم وزارة النقل البحرى والنهرى، تكون وحدها منوطة بكل الاختصاصات المتعلقة بنهر النيل وتضع خطة صارمة ومحددة للرقابة والتنظيم، إضافة لتدريب العنصر البشرى، حتى لا تتكرر المأساة».. ما قاله الخبير المائى، أيده «الريس نبيل»، أحد أقدم المراكبية، الذى جاء من الصعيد إلى القاهرة قبل 15 عاماً، وأصبح مالكاً لعدد من مراكب التنزه الموجودة على كورنيش النيل فى عدة مناطق متفرقة: «أول شىء لازم الدولة توحد الجهة اللى نتعامل معاها، مينفعش أكون مربوط بأكثر من جهة متشابهة، وكل جهة لها وزارة خاصة، ده اسمه روتين وتداخل لازم يؤدى لفشل، ده غير الفساد اللى بيحصل والتهرب من المسئولية وقت الجد والإجراءات المتناقضة بين كل جهة وأخرى أحياناً». أما عن التوصية الثانية من وجهة نظر الرجل الذى تخطى عمره الستين عاماً، فقال: «محتاجين نقابة للمراكبية وشئون النقل النهرى، عشان توصل صوتنا، وتنظم طبيعة العمل، وكمان تكون مسئولة عن تدريب كل الأفراد اللى شغالين بالكار بتاعنا، خاصة اللى سنهم لسه صغير ودخلوا فى الشغلانة عشان لقمة العيش، دول معندهمش خبرة ومحتاجين متابعة وتدريب وحد ينظم العمل بينهم»، مضيفاً: «إحنا بنعمل كده لكن بشكل ودى، وأنا شخصياً ساعات كتيرة باتدخل لحل مشكلة بين طرفين أو توجيه نصيحة لمركب أو زميل جديد معانا، لكن ده جهد فردى، وفى حالة وجود هيئة منظمة، أكيد الأمور هتكون أفضل».. مقترحات ومناشدات، على ألسنة متخصصين وأصحاب خبرة، فى انتظار حكومة تسمع، ومسئول ينفذ، لإنقاذ مواطن لا يريد أكثر من الفرحة دون أن يتحول إلى «مشروع غريق» دون ثمن، ومهنة لا تحتاج أكثر من التنظيم كى لا تدخل فى قائمة المهن المندثرة دون ذنب، ونهر أغدق على المصريين خيراً؛ فردوا له الخير شراً دون حق. فى نهاية رحلة «الوطن»، عاد كل شىء لما كان عليه قبل ساعات، المركب صاحب الاسم المستعار «السعادة» عاد لمرساه الذى قد لا يفارقه إلى أن يشاء الله، و«عم أحمد» عاد لأريكته التى اعتاد الجلوس عليها، وعادت إلى وجهه ملامح الضجر والبؤس بعد أن انصرفت عنه مؤقتاً فى انتظار زبون جديد، فيما خطونا نحن الدرجات الست للسلم الصغير المنتهى ببوابة حديدية سوداء مكتوب عليها «الله أكبر»، مروراً إلى بر الأمان، لكن رحلات أخرى على مراكب أخرى قد تذهب ولا تعود، لتتكرر المصيبة مرة أخرى فى مشهد مطابق وتفاصيل مطابقة، لكن بضحايا جدد وتعازٍ جديدة؛ إذا استمر الأمر على ما هو عليه.