نعمة الخيمة في شتاء غزة القارس.. رفاهية ليست للجميع

كتب: محمود هاني

نعمة الخيمة في شتاء غزة القارس.. رفاهية ليست للجميع

نعمة الخيمة في شتاء غزة القارس.. رفاهية ليست للجميع

كان رامي يستلقي على الرمل الحار مستسلمًا إلى دفئه الذي ينعش قواه، ويغمره شعور بالسعادة غير عادي، سعادة نادرة ما اعترت قلبه أو قلوب أشقاءه في الوطن المنكوب في هذا الزمن العصيب.

كان مصدر هذه السعادة شراءه خيمة حصل عليها في شهر يوليو 2024، فمنذ أن قصف الاحتلال الإسرائيلي بيته في أبريل الماضي (2024)، وهو يعيش في العراء تحت السماء الرحيبة هو وعائلته، لا ساتر بينه وبين صفائها الجميل، وحرارة شمسها أيما شيء.

شهور قضاها رامي في العراء بعد قصف منزله، لم يستطع خلالها سوى التفكير في الحال الذي آلت إليه حياته، تفكير فيما مضى وفيما هو آتٍ، فما مضى الحنين إليه لا يتوقف، وما بعد الحنين تأتي الحسرة، الحسرة على الدار القديمة التي تحولت إلى ركام، والأحباب الذين دفنوا تحته، أما مؤشرات الحاضر، فتؤكد أن المستقبل لن يكون أقل مأساوية عما سبق.

سعى رامي جاهدًا أثناء أيام المكوث في العراء إلى الحصول على خيمة من أي جهة إغاثية، ولكن لم تجد محاولاته نفعًا، إذ أنه في غزة لم يتسنَ لجميع من هجروا وتشردوا بسبب العدوان الإسرائيلي الحصول على واحدة تأويهم، فتعين عليه أن يتدبر أمرها بمفرده.

وقال «رامي» لـ«الوطن»: «سعيت لشراء خيمة بعدما نفذت كل محاولاتي ومطالبي بالحصول على واحدة من الجهات الإغاثية، لأن العيش في العراء صعب جدًا في ظل هذه الحرب التي لا يعلم نهايتها سوى الله».

أخيرًا وبعد 3 أشهر من العيش في العراء، استطاع رامي شراء الخيمة بملغ باهظ الثمن «2800 شيكل»، من خلال التدبير الجيد وتقليل الإنفاق حيث اقتصرت حياته على المعلبات وبضعة مواد غذائية بالكاد تسد رمقه هو وعائلته وتبقيهم أحياء، ولذلك كانت السعادة تغمره لأن ما تبقى من فصل الصيف يستطيع قضاءه بين «أربع حيطان» حتى لو كانت من قماش، ولكنها ستقي قليلًا من حرارة الشمس وبرد الشتاء المقبل وتجعله يعيش حياته البائسة بخصوصية دون أن تكون مشاعًا وستواريه عن أعين أشقاء الوطن البؤساء... ولكن السعادة لم تدم طويلًا».

سعادة لم تكتمل

ففي الثالث عشر من نوفمبر الماضي، وبينما كان رامي نائمًا في خيمته استفاق فزعًا من صوت الطيران الإسرائيلي الذي بات يحلق فوقهم ذهابًا وإيابًا، مكث رامي لوهلة يفكر ويتساءل: «معقول يقصفوا.. هذه منطقة مخيمات؟» (مواصي خان يونس) ولكن التفكير لم يدم طويلًا كما أيضًا الإجابة «معقول هدول إسرائيليين».. وفجأة وقعت الكارثة وقُصف المكان».

وأوضح «رامي» أنه بعد أن قصف المكان وبدأت النيران تلتهم الخيم المجاورة هب لإخراج زوجته وابنه لإبعادهما عن الخطر والخيام المشتعلة، وبعد إخراجهما وإبعادهما عاد إلى خيمته من جديد ليأخذ حاجياته ويلقي على الخيمة التي عانى لشهور لشرائها نظرة وداع قبل أن يعود لحياة التشرد من جديد، إلا أن المكان استُهدف مرة أخرى بصاروخ، فأصيب بجروح بالغة في ذراعه كما استُشهد أحد الأطفال أمام عينيه.

مكث رامي في المستشفى شهرًا كاملاً لتلقي العلاج ورغم من أنه نجا من موت محقق إلا أنه لم ينجو بالكامل، إذ أن أحد ذراعيه التي لا تزال متصلة بجسده باتت عديمة النفع بعدما استؤصل منها العضل، وهي الذراع التي كانت يعول عليها وحدها لجلب الرزق (مهنته حلاق) له ولعائلته.

الآن عاد رامي من جديد إلى اتخاذ العراء بيتًا ولكن الظروف اختلفت، ففي فترة التشرد الأولى كان ما يؤرقه هو وعائلته حرارة الشمس وقيظها، والآن، ما يخيفه فصل الشتاء وبرودته القارسة وأيضًا أنه بات عاجزًا وغير قادر على العمل ولا يمتلك أي مدخرات تمكنه من الوصول إلى أقصى أحلامه في الوقت الراهن وهي مجرد «خيمة» لكي لا يموت بردًا هو وأسرته أو يتحول ابنه الوحيد وفلذة كبده إلى رقم جديد في عداد الأطفال الذين يغادرون دنيا غزة الموحشة بسبب البرد.


مواضيع متعلقة