على مدار عقود طويلة، كان التحالف الأمريكى الإسرائيلى هو الأقوى على الإطلاق فى المنطقة، ولم يكن هناك قرار واحد تتخذه الإدارة الأمريكية فى الشرق الأوسط إلا ويكون هدفه الرئيسى هو خدمة مصالح إسرائيل وضمان تفوقها فى المنطقة، بينما شهدت الأشهر القليلة الماضية توتراً فى تحالف دام لعقود طويلة بسبب خلافات حول أولوية المصالح الإسرائيلية والأمريكية والاستراتيجية المتبعة لتحقيق تلك المصالح، فى وقت تكاد فيه الفوضى تفتت أقطار الشرق الأوسط باختلاف علاقاتها وتحالفاتها، وفى الوقت الذى كانت تتشدق فيه الحكومة الإسرائيلية بكونها المسيطر الأول على الاستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط، باتت «تل أبيب» تبحث كل الطرق الممكنة لإعادة توجيه السياسات الأمريكية بعد أن توترت العلاقات واتخذت منحى لا يتوافق مع السياسات الإسرائيلية.
وبشكل عام، لم يعد لدى حكومة «تل أبيب» ورئيسها بنيامين نتنياهو، أدنى شك فى أن الولايات المتحدة لم تعد تتحرك إلا فيما يخدم مصالحها وحدها فقط، بغض النظر عما يرغب فيه حلفاؤها الرئيسيون أمثال إسرائيل والمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، فالرئيس الأمريكى باراك أوباما -بشهادة المحللين والمراقبين المقربين من دوائر الحكم الأمريكية- لا يسعى إلا لتحقيق إنجاز يذكره له التاريخ بعد أن تسببت السياسات الفوضوية فى الشرق الأوسط فى خلق أكبر حلقة صراع وفوضى فى تاريخ المنطقة. وعلى الرغم من معارضة الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة لأى اتفاق مع الجمهورية الإيرانية بشأن برنامجها النووى، فإن الولايات المتحدة أصرت على استكمال الطريق إلى نهايته والتوصل لاتفاق يشكك البعض فى تطبيقه كاملاً، بينما يرى عدد من المحللين أن موافقة إيران على بنود الاتفاق ما هى إلا محاولة لكسب المزيد من الوقت لتحقيق مكاسب اقتصادية من رفع العقوبات المفروضة عليها.
بحسب المحلل البريطانى إيان بريميير، أستاذ العلوم السياسية بجامعة «لندن»، فإنه ليس هناك أدنى شك بأن «نتنياهو» و«أوباما» لا يحبان بعضهما على الإطلاق، وهو ما وضع العلاقات بين البلدين على طريق أزمة لن تنتهى حتى برحيل الاثنين عن منصبيهما، خاصة فى ظل الاتهامات الإسرائيلية للولايات المتحدة بـ«الاستخفاف بأمن إسرائيل واحتياجاتها»، وفى الوقت الذى تواصل فيه الولايات المتحدة تسليح الجيش الإسرائيلى بأحدث أنظمة الصواريخ والطائرات والأسلحة المختلفة بهدف ضمان تفوقها النوعى فى المنطقة، وبالفعل لم تحصل أى دولة أخرى من حلفاء «واشنطن» على الأسلحة المتطورة التى حصلت عليها «تل أبيب» برغم المحاولات والطلبات العديدة التى توجهت بها تلك الدول إلى الولايات المتحدة.
ويؤكد «بريميير»، فى مقال بمجلة «تايم» الأمريكية، أن «الخلاف بين نتنياهو وأوباما لم يعد مجرد خلاف يمكن اختصاره فى خلاف شخصى بين اثنين، وإنما هو خلاف فى وجهات النظر والمصالح بين دولتين كاملتين، وبداية هذا الخلاف كان من مسألة حل الدولتين الذى حاولت الولايات المتحدة رعايته وتحقيقه على أرض الواقع بهدف إحلال السلام وإنهاء الأزمة الفلسطينية، وهو الحل الذى رفضه نتنياهو فى أكثر من مرة بشكل غير مباشر، بهدف تجنب كابوس تهجير آلاف المستوطنين من المستوطنات التى ستقع فى نطاق الأراضى الفلسطينية بعد الاتفاق». وتابع: «الخلافات أيضاً تتضمن البرنامج النووى الإيرانى الذى ترفض إسرائيل تماماً التوصل لأى اتفاق يسمح لإيران بامتلاك القدرة النووية، حتى وإن كانت للاستخدامات السلمية، فى حين أن الولايات المتحدة أصرت على استكمال المفاوضات إلى نهايتها حتى التوصل للاتفاق، وهو ما يعنى أن الولايات المتحدة بكل بساطة قررت أن تكون أقل انخراطاً فى الخلافات والخصومات الإقليمية لصالح حلفائها عما كانت سابقاً».
من جانبها، قالت شبكة «سى. إس. إن. بى. سى» الأمريكية، إنه منذ سنوات قليلة ماضية، لم يكن يمكن لأحد أبداً أن يفكر أن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة يمكنها أن تصل إلى تلك المرحلة من التدنى بسبب الخلافات بين «نتنياهو» و«أوباما» التى انعكست بالطبع على العلاقات بين البلدين. وفى الوقت ذاته، قال المحلل الأمريكى جورج بول، فى مقال بمجلة «نيويوركر» الأمريكية، إن «مفاوضاً أمريكياً بارزاً مطلعاً على مجريات الأمور، أكد أن محاولة مساعدة إسرائيل للوصول إلى السلام، باتت بمثابة محاولة إنقاذ دراجة صغيرة من قطار يقترب من دهسها بينما يستخدم الطفل الذى يقودها البدال فى عكس اتجاهه الطبيعى»، بمعنى أن محاولة دفع إسرائيل نحو السلام باتت شبه مستحيلة تقريباً فى تلك المرحلة بسبب الخلافات بين البلدين. أما صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فقد وصفت العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بأنها «قربان» تم تقديمه لضمان التوصل إلى الاتفاق النووى الإيرانى، لافتة إلى أن خبراء ومحللين وسياسيين إسرائيليين، أكدوا أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستعانى أضراراً هائلة فى المرحلة المقبلة نتيجة الاتفاق النووى. وقالت الصحيفة الإسرائيلية إن «الولايات المتحدة قررت أنها ترغب فى الحفاظ على مصالحها فى المنطقة من خلال التوصل لاتفاق نووى إيرانى، بدلاً من الاستمرار فى العلاقات الجيدة مع إسرائيل».
ويشير المحلل الإسرائيلى البروفيسور عيلى زلتسمان، إلى أنه لم يعد هناك مفر من تضرر العلاقات بين البلدين وخروجها من إطار الخلافات الشخصية إلى إطار الخلافات الاستراتيجية وخلافات المصالح، ففى الوقت الذى ترى فيه الولايات المتحدة المصلحة فى التوصل لاتفاق نووى إيرانى، تصر إسرائيل على ضرورة منع التوصل إلى هذا الاتفاق. وأضاف: «تحركات نتنياهو ضد الرئيس الأمريكى لن تفعل شيئاً سوى أنها ستتسبب فى المزيد من الضرر لإسرائيل، خاصة أن إسرائيل تحولت إلى مسألة خلافية تثير الانقسام داخل الكونجرس الأمريكى بشكل يدفع طرفى النزاع إلى ضرورة الاختيار بين تأييد إسرائيل أو معارضتها فى المسائل الأخرى».
من جانبه، قال المحلل الإسرائيلى زلمان شوفيل، فى مقال بصحيفة «إسرائيل اليوم» الإسرائيلية، إنه بعيداً عما يمكن أن تفعله أو لا تفعله الولايات المتحدة، فإنه لم يعد هناك مفر من زيادة عزلة إسرائيل فى المنطقة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهى العزلة الإسرائيلية، حيث إنه بات واضحاً أن الغرب يستهدف استقراره اقتصادياً قبل أن يهتم بأمن إسرائيل، مضيفاً: «ودون إجراء تعديلات حقيقية على السياسات الإسرائيلية، فإن تل أبيب ستفقد حلفاءها تدريجياً، وستجد إسرائيل نفسها وحيدة فى جيتو دبلوماسى دولى، وسنرى الولايات المتحدة أيضاً تتغاضى عن أمن إسرائيل وتتنصل من التحالف معها».