بروفايل| العامل.. بوابة "الحلم العظيم"

كتب: إمام أحمد

بروفايل| العامل.. بوابة "الحلم العظيم"

بروفايل| العامل.. بوابة "الحلم العظيم"

الأول دائماً.. على الماكينات هو أول خطوط الإنتاج، داخل مواقع البناء يحمل الحجارة على كتفيه ليبدو أول مظاهر التعمير، فى الصحراء يحفر الصخر ليشق الأرض وتبدأ معه المعجزة مع أول قطرة عرق تجرى من جبينه. هو «مفتاح» الخير، و«كراكة» التنمية، و«مطرقة» النمو، و«مسمار» الثبات، و«صامولة» الاستقرار، و«بوابة» كل حلم عظيم. العامل المصرى، خير عمال الأرض، بخسوا حقه لسنوات، لكنه يعطى بغير حساب.. أهملوا ذكره عن عمد، لكنه يحضر فى الميعاد.. محاصر دوماً بضيق الحال وضنك العيش، لكنه لا يبخل بضربة لا يزال قادراً عليها، أو خطوة ما زال فى قدرته أن يخطوها. يأتى من صعيد مصر، وقرى الدلتا، وسواحل الشمال، ليبدأ رحلة الألف ميل أينما طُلب منه، طوبة فوق طوبة حتى يكتمل البناء، وخيطاً يُنسج بخيط حتى يكتمل الثوب الجميل، وفأساً وراء فأس حتى تنشق الأرض وتجرى المياه. «اللى بنى مصر كان فى الأصل.. مجرد عامل»، عامل من بين ملايين العمال الذين نفخوا من روحهم فأحيوا الأرض الميتة، وعمّروها من بعد بداوة، ومدوا إليها الطرق ينتقل بينها الناس، والمياه يشربون منها، والكهرباء يستضيئون بها، وكل النعم التى لا تُحصى ولا تُعد، العامل وحده يقف وحيداً وراء كل ذلك، لا تراه الأعين، لكنها ترى صنعه، فتستدل عليه به، وأفضل ما صنع هو معجزة الممر المائى الواصل بين بحرين، الأبيض والأحمر. ممر مائى يجرى فى قلب صحراء جدباء مكفهرة، قبل نحو مائة وخمسين عاماً كانت المعجزة فى نسختها الأولى، واليوم تتكرر فى نسختها الثانية، ليؤمن الذين كفروا. 10 أعوام بين 1859 و1869، احتاجها نحو مليون عامل لحفر قناة طولها 192 كليومتراً، سُميت قناة السويس، رحلة من الكفاح والمعاناة راح ضحيتها أكثر من 120 ألف عامل أثناء عملية الحفر على أثر الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، إنجاز عظيم بأجساد ودماء «فواعلية مصر»، الإنجاز أعيد تحقيقه مرة ثانية خلال فترة عام واحد، من أغسطس 2014 إلى أغسطس 2015، لحفر قناة جديدة بطول 35 كيلومتراً، فضلاً عن أعمال التوسيع والتعميق فى الممر المائى القديم، لكن الإنجاز هذه المرة بسواعد العمال وليس بدمائهم، وإرادتهم الحرة وليس السخرة والعذاب. اليوم هم بناة المجد وليسوا «خدماً» لحاكم يسعى لمجد عظيم. «وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبنى قواعد المجد وحدى»، كان ذلك فى عهد مضى، ومضت معه أشياء كثيرة، لم يبق منها إلا العامل، وحده يعمل، ووحده يعيد مجد الماضى، ووحده يشق الطريق تجاه مستقبل عظيم، منصوب الجسد، مشدود العصب، يلازم موقع العمل غير مفارق كجندى على جبهة القتال، الموقع الوحيد الذى يعرف تفاصيله جيداً ويجيد لغته بإتقان ويجد نفسه فى رحاب الجد والعرق بعيداً عن صفحات الجرائد وضيق الفضائيات وتكييفات المكاتب المغلقة.