"المحروسة".. "يخت الملوك" يعود بعد سنوات "التقاعد"

كتب: محمد أبوضيف

"المحروسة".. "يخت الملوك" يعود بعد سنوات "التقاعد"

"المحروسة".. "يخت الملوك" يعود بعد سنوات "التقاعد"

لعشرات السنوات ظل قابعاً على شط الإسكندرية بالقرب من قصر رأس التين الملكى، دون أى دور، بعدما كان ملء السمع والبصر، واليوم عاد يخت «المحروسة»، فى أبهى صورة، فكما كان فى طليعة السفن التى شاركت فى افتتاح قناة السويس عام 1869، وأول من شق مياه القناة فى افتتاحها الثانى عام 1975 بعد طرد المحتل الإسرائيلى من ضفتها الشرقية وتطهير سيناء، عاد من جديد ليكون أول من يشق مياه البحر خلال حفل افتتاح قناة السويس الجديدة بعد ما يربو على 146 عاماً. «الوطن» تنشر فصولاً من مذكرات قائد اليخوت الملكية، جلال علوبة، عن اليخت المحروسة، يقول «علوبة» إن اليخت العريق بنى فى عهد الخديو إسماعيل باشا، فى إحدى الترسانات فى إنجلترا عام 1865، حيث استخدم فى نقل الحملة العسكرية التى أرسلت لتكريت لإخماد الثورة ضد الحكم التركى، واستخدمه الخديو فى دعوة ملوك أوروبا لحضور حفل افتتاح قناة السويس بنفسه عام 1868، كما استقله الخديو إسماعيل بعد عزله إلى إيطاليا، واستقله الملك فاروق بعد عزله أيضاً إلى نفس وجهة جده. بالعودة لعام 1948 كان لزاماً عليه بمجرد ترقيته إلى رتبة «الأميرالاى» وتعيينه قائداً لليخوت الملكية، أن يحاول جلال علوبة فك طلاسم أزمة إصلاح اليخت الملكى «المحروسة»، الذى كان يحتاج إلى عمرة تتكلف مليون جنيه مصرى، لكن البرلمان المصرى عام 1948 لم يكن يستطيع تدبير المبلغ اللازم لإصلاح اليخت المخصص للملك فاروق، وهو ما دفع الملك للتفكير فى الاستغناء عنه وشراء يخت آخر. لم يكن هيناً على الملك فاروق الاستغناء عن اليخت المفضل، حسب ما أورد «جلال علوبة» فى مذكراته «الملك وأمير البحار»، يقول الرجل فى حوار للملك بعد رحلة زيارة ليخت كان مخصصاً لهتلر: «المحروسة برقبتها»، وأوصى برفض شراء ذلك اليخت الذى وجد فيه الكثير من الأعطال والمتاعب، وأعاد جلال علوبة الكرة وفحص يختاً آخر كان معروضاً للبيع ليدخل فى خدمة الملك بديلاً للمحروسة، وكان اليخت مخصصاً للزعيم التركى «مصطفى كامل أتاتورك»، لكن كانت حالته أسوأ من يخت هتلر، ليجد أنه لا مفر من إصلاح اليخت المحروسة، يقول: «بعد العودة من تركيا، قابلت الملك فاروق وشرحت له وجهة نظرى، فارتاح كثيراً لما وصلت إليه من رأى، وأمرنى بالاتصال بالمسئولين فى السراى لاتخاذ إجراءات إعادة طلب اعتماد مليون جنيه لإصلاحه فى ميزانية عام 1949، وبمجرد موافقة الحكومة على الطلب أسرع الملك فى إصدار أمره بإرسال اليخت إلى ميناء سبستيا بإيطاليا، لكن سرعان ما تغيرت الوزارة وتولى النحاس باشا الحكم فى يناير 1950». مع تولى حكومة النحاس، زعيم حزب الوفد، كان عليهم عرض مبلغ «عمرة» المحروسة على البرلمان ليبت فيه، بسبب ضخامة التكلفة، وشكلت لجنة برلمانية من مجلس النواب الوفدى لدراسة الموضوع، حسب المذكرات، يقول: «عقدت اللجنة بحضورى وقبل أن يطلب منى الحديث، وجه لى الأستاذ على أمين سؤالاً بقوله: أليس من المستحسن يا جلال بك أن نشترى للبلد بارجة حربية بدلاً من إصلاح المحروسة؟ فقلت له: طبعاً، هذا أفضل بكثير، وإذا كانت اللجنة الموقرة على استعداد لاعتماد مبلغ 20 مليون جنيه لشراء بارجة حربية و20 مليوناً لتكلفة صيانتها الدورية، بجانب اعتماد مبلغ 10 ملايين أخرى لبناء حوض جاف يتسع لدخولها كل ستة أشهر لصيانة البدن». قام أمير البحار وقتها بشرح الموقف وتقديم كافة المستندات، وأوضح ما تم من محاولة شراء يخت آخر، تكون تكلفة إصلاحه أقل، وأوضح أن تكلفة مليون جنيه ليست بالكثير، حيث إن عمر اليخت المحروسة وقتها كان 85 عاماً، وبعد إصلاحه يمكن أن يعمل لمائة عام أخرى، فوافق البرلمان على اعتماد المبلغ بل ووافق أيضاً على زيادة 300 ألف جنيه، وقام بقيادة اليخت بنفسه نحو إيطاليا، وعاد به مرة أخرى عام 1952، لينقل الملك إلى منفاه. كانت عودة الملك للقاهرة مدعاة للاحتفال من قبل قطع الأسطول المصرى التى خرجت لمقابلته فى البحر، وأدت التحية البحرية له بالاصطفاف على جانبيه مع إطلاق صفارات والبروجى، كما أطلقت المدفعية الساحلية بعض الطلقات للتحية، وأخذ «علوبة» يتابع الاستقبال فى زهو وفخر بتلك القطعة البحرية العظيمة، وبمجرد أن اقترب اليخت حتى فوجئ بالملك فاروق بنفسه مستقلاً أحد اللنشات السريعة ليحوم حول اليخت، وبمجرد رسو اليخت على الرصيف الخاص به، صعد الملك فاروق، وأخذ يتجول فى كل أجزائه فرحاً بإصلاحه، وحينها أنعم على «علوبة» برتبة أمير البحار. يقول علوبة: «فى شهر مايو 1952 قمت بدعوة مجلس الوزراء لحضور حفل شاى على ظهر اليخت، وكان المجلس برئاسة نجيب الهلالى، ليتفقدوا الإصلاحات الجديدة وتطوير اليخت ومعرفة ما تم إنفاقه عليه»، كما يحكى فى مذكراته عن أغرب الرحلات التى قاد فيها المحروسة، حينما خرج به عام 1944 وكان وقتها برتبة البكباشى بحرى، من الإسماعيلية إلى السويس لاستقبال جثمان إمبراطور إيران رضا بهلوان الذى توفى بمنفاه بجنوب أفريقيا بعد عزله، وأوصى بدفنه فى مصر. ومن المفارقات أن اليخت المحروسة، حسب المذكرات، كان وسيلة نقل عدد من ملوك وأمراء أسرة محمد على إلى منفاهم بعد عزلهم عن الحكم وليس فاروق وحده، حيث استقله الخديو عباس حلمى الثانى فى رحلة بحرية إلى الأستانة، لكن الإنجليز منعوه من العودة إلى مصر، كما أقل الخديو إسماعيل إلى منفاه فى إيطاليا، كما توجه به آخر ملكين لمصر، الملك فاروق ونجله أحمد فؤاد الثانى، عقب ثورة يوليو، التى يصفها أمير البحار بالانقلاب. المحطة الأخيرة لجلالة علوبة مع المحروسة، عندما أدار أمير البحار الراديو، صباح 23 يوليو، بينما يذيع بيان القيادة العامة للقوات المسلحة، ويصف صوت قائل الخطاب بـ«المميز»، الذى عرف فيما بعد أنه أنور السادات، وحينها تحرك مسرعاً نحو يخت المحروسة، الذى كان يرسو قبالة سواحل رأس التين، ووجد أنه من المستحسن التوجه به وربطه على الشمندورة المخصصة له، فى الميناء الخارجى خوفاً من وجوده على الرصيف. بخط اليد كتب محمد نجيب، رئيس الجمهورية الأول لمصر: «من القيادة العامة للقوات المسلحة إلى اللواء البحرى جلال بك علوبة، قائد عام اليخوت الملكية. عليكم الإبحار باليخت الملكى المحروسة، اليوم الساعة 1800، لنقل حضرة جلالة الملك فاروق الأول إلى خارج البلاد بعد تنازله عن العرش، والعودة بهذا اليخت سليماً إلى ميناء الإسكندرية مباشرة»، ومهره بتوقيع.. الفريق محمد نجيب.. القائد العام للقوات المسلحة. يصف جلال علوبة، الذى تلقى ذلك الأمر بعد لقاء محمد نجيب فى مقر قيادة المنطقة الشمالية العسكرية، قائلاً: «لاحظت أن الأمر الكتابى يعكس تماماً الوضع الذى كانت عليه الأمور فى ذلك الحين، حيث ختم بختم المنطقة الشمالية العسكرية، الجيش المصرى لم يكن لديه ختم رئاسة أركان، علاوة على الصيغة التى استخدمت لمخاطبتى دون ذكر حضرة صاحب العزة»، كما أن الرتبة كتبت بنفس منوال ما كان مستخدماً فى الجيش اللواء بحرى، وليس أمير البحار، وفقاً لما كان مستخدماً». ثلاث ساعات هى كل ما كان يمتلكه علوبة قبل الإبحار بالملك فاروق إلى إيطاليا، عائداً باليخت المحروسة كما أمرته القيادة العسكرية بقيادة محمد نجيب، وحينها أمر أحد الضباط بالتوجه بلورى ومعه بعض البحارة إلى البر لإحضار كل ما يمكن الحصول عليه من طعام، وأُحضر إليه كبير خدم السراى وأمره بإرسال كل ما يمكنه إرساله، وتعامل «علوبة» حسب مذكراته، كما كان يتعامل مع أى رحلة ملكية عادية. فى الساعة الخامسة والنصف استقلت الملكة ناريمان ومعها الملك الطفل أحمد فؤاد الثانى، والأميرات الثلاث أحد اللنشات، وتوجهوا به إلى اليخت، وكانت الأميرات فى حالة من البكاء، وحان وقت الرحيل ولم يحضر الفريق محمد نجيب، كما كان مقرراً لوداع الملك، وصمم الملك، وفقاً لما أورده علوبة فى مذكراته، على أن تكون تصرفاته ملتزمة بما تم الاتفاق عليه، فطلب منه التوجه به إلى اليخت، وقام بتوديع كل من كان فى وداعه، من رجال القصر، الذين انهمكوا فى البكاء. وتابع «علوبة» أن بمجرد وصول الملك فاروق لمتن المحروسة حتى حضر لنش يقل اللواء محمد نجيب، بجانب مجموعة من الضباط: قائد الجناح جمال سالم، والقائم مقام أحمد شوقى والبكباشى حسين الشافعى، والصاغ إسماعيل فريد، ياور الفريق، وصعدوا لليخت جميعاً لوداع الملك فاروق، يقول علوبة إن «محمد نجيب حين وصل حيث يستقر الملك، أدى التحية العسكرية، وقال بسرعة: آسف يا مولاى، طلعت حمار»، ودهش حينها علوبة، وأدرك أن نجيب ليس القائد الفعلى للحركة، ودار حوار بين الملك ونجيب، وأزعج الملك وضع جمال سالم عصا تحت إبطه، فنهره وأمره بإنزالها، لكنه لم ينزلها إلا بعد أمر من نجيب. لكن وأثناء الحوار أبلغ كبير مهندسى اليخت «علوبة» بأن هناك أعطالاً فى الماكينات قد تؤخر حركة اليخت إلى ما يربو على نصف ساعة، وحين أبلغ علوبة نجيب بذلك، انتابه القلق، ووعده بأن يبذل قصارى جهده لإصلاح الأعطال، وعدم التأخر، واستطاع إصلاحها فى ربع ساعة، وأبحر المحروسة فى آخر الرحلات الملكية، وخلال الرحلة وأثناء إحدى الجلسات التى جمعت «علوبة» بالملك، فى صباح 28 يوليو، وكان الملك فى حالة معنوية عالية، وتملأ ضحكاته جنبات اليخت، التفت الملك وعلى وجهه علامات الحيرة والاهتمام، وقال له: «يا جلال أنت تعلم أننى وحيد الآن، وليس معى أحد أطمئن له، وأنا أرجو منك أن تبقى معى فى المنفى»، وأصابت المفاجأة أمير البحار، ورفض خوفاً على مصير عائلته من بطش الضباط الأحرار، خاصة أنهم طالبوه بالعودة باليخت إلى الإسكندرية. وحينها ساومه الملك على البقاء واليخت المحروسة بجانبه مقابل «مليون جنيه» قائلاً: «اسمع يا جلال، لو قبلت البقاء معى فسوف تحصل على مليون جنيه، لى أموال كثيرة فى بنوك الخارج، وسوف أوفيك وزيادة»، لكنه صمم على العودة لمصر، وأنزل الملك على أقرب سواحل إيطاليا وعاد باليخت، ويعيب جلال علوبة فى مذكراته على تجريد المسئولين فى مصر بعد يوليو المحروسة من اسمه وتسميته بيخت الحرية، ويعتقد أنه خطأ جسيم، لما لليخت من أهمية تاريخية ترتبط باسمه، لكن بعد انتهاء جلال علوبة من كتابة مذكراته عاد مرة أخرى اسم المحروسة لليخت العريق.