"القناة" فى السينما: غاب التاريخ.. وحضرت "السُخرة والتأميم"
«الغز» ينهكون القرية بخيولهم بحثاً عن 360 شاباً من العفاة أصحاب السواعد القوية، يسوقونهم كقطيع من الماشية ليحفروا مجراهم الملاحى بأرواحهم الممزوجة بالعرق والدماء، بينما تلفح وجوههم السمراء حرارة الشمس الحارقة وتلهب أجسادهم العفية أثناء بحثهم عن قطرة ماء، وتكون جملة «عفارم يا متولى» إذناً بقتل كل من تخلف عن الحفر، «وكل جلدة على ظهرك يا متولى ترسم قناه السويس»، صورة حاول الكاتب صلاح جاهين أن يرسمها من خلال رائعة الأدب الشعبى «شفيقة ومتولى» فى فيلم يدور فى فلك حفر قناة السويس، مصوراً من خلاله ظروف حفر القناة التى عمل فيها المصريون فى فترة تجاوزت 10 أعوام.
وما بين اليوم والأمس فى الوقت الذى تلعب فيه قناة السويس دوراً مهماً فى حياة المصريين وجزء كبير من الدخل القومى حاولت السينما التطرق إلى هذا المشروع من خلال عدد من الأعمال، سواء فى السينما أو التليفزيون، فى محاولة منها لعدم الانفصال عن الواقع بشكل تام، لتقدم فى النهاية عدداً من الأعمال المحدودة ولكن المؤثرة.
وقال الكاتب والناقد السينمائى محمود قاسم إن السينما بدأت الاهتمام بقناة السويس بعد عام 1956 على الجانب المتعلق بتأميمها والعدوان الثلاثى على مصر، من خلال عدد من الأفلام، أبرزها فيلم «بورسعيد» للراحل فريد شوقى والمخرج عز الدين ذوالفقار، فتأميم قناة السويس يعد لحظة المجد الحقيقية لدى عدد كبير من المصريين، خاصة بعد استعادتها مرة أخرى من الأيادى الغربية فتعاملت معها الأعمال السينمائية والدرامية على هذا الأساس، وتابع «قاسم»: بعد تناول المقاومة الشعبية لمدن القناة والمواجهة بين الطرفين المصرى والمحتل على قناة السويس، تناسى صناع السينما تاريخها وقدموا عدداً من الأعمال الكوميدية والاجتماعية مثل «أيام بلا حب» و«شاطئ المرح» الذى يعد آخر علاقتنا بشكل مدينة بورسعيد القديمة، لتأتى فترة الثمانينات بتناول جديد لمدن القناة كمنطقة للربح السريع، من خلال فيلم «المشبوه» و«أهل القمة»، وأضاف محمود قاسم: «وبالرغم من أن فيلم السيرة الشعبية «شفيقة ومتولى» لم يتطرق إلى تاريخ قناة السويس بالشكل الكافى، حيث كان يتناول ظروفاً اجتماعية فى تلك الحقبة التاريخية التى انقسم فيها الشعب المصرى إلى طبقتين، الأولى للأتراك والثانية للمصريين الفقراء، فإن الفيلم ألقى الضوء على ظروف حفر قناة السويس بطريقة «السخرة» وما تعرضوا لهم من ظلم فى تلك الفترة، وبالتالى نجد أن السينما المصرية لم تقدم أعمالاً تدور حول قناة السويس نفسها».[FirstQuote]
وفى السياق نفسه، انتقد الناقد الفنى محمد صلاح الدين ما وصفه بـ«التقصير الواضح» من جانب صناع الدراما فى تناول تاريخ قناة السويس الممتد على مدى عصور طويلة وتعتبر جزءاً مهماً جداً من التاريخ المصرى، وأضاف: «أعمال قليلة جداً لا تساوى حجم الإنجاز المحقق فى قناة السويس على توالى مراحلها التاريخية، بداية من المشروع الفرعونى لها، مروراً بالمشروع الإسلامى، وبالحسابات الخاطئة المتعلقة التى أجراها نابليون بونابرت، وصولاً للخديو سعيد والبداية الفعلية مع فرديناند ديليسبس وصولاً لحفل الافتتاح مع الخديو إسماعيل، ومع ذلك لم تستطع السينما المصرية أن تواكب هذا الحدث الممتد وما تضمنه من شخصيات وقادة مؤثرين فى التاريخ الحديث، فى إهمال وتقصير واضح من صناعها على مدار العقود الماضية»، وتابع صلاح الدين: «فيلما «ناصر 56» و«بورسعيد» تطرقا إلى تأميم قناة السويس بشكل سريع، حيث إن أحدهما كان يتناول سيرة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر صاحب قرار التأميم، بينما تناولها الثانى ضمن أحداث عدوان بورسعيد، وهى ما تعد تجارب فردية من جانب القائمين عليها وليس توجهاً سائداً، وهو ما قدمه أيضاً الكاتب محفوظ عبدالرحمن فى مسلسل «بوابة الحلوانى» على الجانب المتعلق بالأشخاص الذين لقوا مصرعهم أثناء حفر القناة من الجوع والعطش والأوبئة، وهو ما يعد جزءاً ثرياً جداً فى تناوله فى السينما، خاصة مع وفاة أكثر من 120 ألف مصرى فى عملية حفر القناة، فنحن فى الوقت الحالى فى أمس الحاجة إلى فن نابع من الواقع المصرى العظيم يتناول قصصاً حقيقية يتوحد معها المشاهدون».
وأشار إلى أن قلة الأعمال التى تتناول حفر القناة لم تقتصر على السينما والدراما فقط، بل امتدت إلى الروايات الأدبية التى لم تعر الأمر الاهتمام اللازم فى تناوله التاريخى والاجتماعى، وأضاف الناقد محمد صلاح الدين: «يجب أن نبحث فى الأعمال عن الفاعل الحقيقى وليس القادة، نبحث عمن دفع روحه ودماءه مقابل النهضة، فالفرد المصرى هو صاحب الإنجاز الحقيقى وهو من تجاهله عدد كبير من الأعمال».
وترى الناقدة حنان أبوالضياء أن الأعمال الفنية لم تتطرق إلى قناة السويس بشكل مباشر فى سياقها، فكانت مجرد معالجات على الهامش، فخلال فيلم «شفيقة ومتولى» تمت الإشارة إلى حفر القناة والممارسات الظالمة فى حق المصريين فى ذلك الوقت، فأرخت جزءاً من الحقائق التاريخية فى تلك المرحلة، كما تناول مسلسل «بوابة الحلوانى» حفر قناة السويس بشكل مباشر وتفاصيلها ضمن السياق الدرامى للمسلسل، وعلى الجانب الآخر جمع فيلم «ناصر» عدداً من العناصر المتعلقة بالقناة، بداية من زيارة الفنانة أمينة رزق لجمال عبدالناصر، وهى تحمل جلباب جدها الذى مات فى حفر القناة، مطالبة بالحفاظ على الشريان المائى الذى حفره المصريون بدمائهم، مما يترتب عليه العنصر الثانى فى الأحداث وهو تأميم قناة السويس، وتابعت حنان فى حديثها لـ«الوطن»: «الأعمال المقدمة عن القناة غير كافية، ونحتاج إلى عمل درامى كبير عن حفر قناة السويس الأولى متضمناً جميع التفاصيل التاريخية المتعلقة به، وعمل ثان يتناول إرادة المصريين فى حفر القناة الثانية فى شكل درامى يعتمد على الجذور الإنسانية، بعيداً عن تمجيد القادة والجيش، ولكن من خلال إلقاء الضوء على العمل الحقيقى الذى تم بمعالجة متوازنة».