الجلد علانية أحد طرق إجبار السخرة على حفر القناة

كتب: ميسر ياسين

الجلد علانية أحد طرق إجبار السخرة على حفر القناة

الجلد علانية أحد طرق إجبار السخرة على حفر القناة

البرد القارس أو الشمس الحارقة لم يمنعا العمال المصريين من مواصلة حفر قناة السويس، تحت إشراف الشركة الفرنسية والمهندس الفرنسي دليسيبس، وحتى بداية عام 1862 كانت الأمور تسير على ما يرام، ولم تكن عمليات التعذيب الممنهجة تفرض على العمال المصريين، حتى تبدل الأمر في يناير من العام نفسه، عندما اندلع تمرد قاده 4 آلاف جندي مصري، أرسلهم الوالي لمشاركة العمال في حفر القناة. لم يجد الوالي سعيد باشا سوى اتخاذ تدابير "قاسية جدًا"، بحسب ما ورد في كتاب "السخرة في حفر قناة السويس"، للدكتور عبدالعزيز محمد الشناوي، حيث قام بتعين إسماعيل حمدي بك ناظر الخاصة، لكي يشرف على العمال هناك، بناءً على اقتراح من "دليسبس"، ومنذ أول فبراير عام 1862، الوضع تغير كثيرًا في موقع حفر القناة. جهز دليسيبس استراحة تليق بالناظر إسماعيل حمدي، وبمجرد وصوله مع حراسه، بدأ استخدام أبشع وسائل العنف والإرهاب وفرض على العمال رقابة دقيقة من شيوخهم ورؤسائهم، وعين قوات من فرسان البوليس ترتاد المنطقة الواقعة بين التل الكبير وساحات الحفر لتعقب العمال الهاربين، وبعث بالسجن بكل عامل بدا منه إخلال بالنظام أو إهمال في العمل أو نزوع إلى الهرب. كان إسماعيل حمدي يقوم بجولاته التفتيشية المتكررة أثناء النهار، فكان يركب الحصان ويتبعه ضابطان على جواديهما ثم عدد من الجنود على ظهور الخيل، وكان يحرص أن يثير موكبه الرعب في نفوس العمال، وكان لا يتحدث إليهم إلا وهو على ظهر جواده، ولاحظ في إحدى جولاته تقصيرًا في عمل اثنين من رؤساء العمال، فأمر بتنزيلهما فورا إلى رتبة "نفر" من أنفار السخرة، وأخذوا "القفة" وملؤوها رملًا ثم حملوها على الاكتاف مثلهم مثل باقي الأنفار. انعكست شدة إسماعيل على المشايخ ورؤساء العمال خوفًا من أن ينزل عليهم الغضب، فكان الشيخ يقسو على العمال الذين تحته إذا لاح له أن تقصيرًا منهم بدا، وقد أراد إسماعيل حمدي أن تكون عقوبة الضرب علنية، وأن يشهد عذاب العمال طائفة منهم، فكانت عقوبة الجلد تتم في الحي العربي في عتبة الجسر، فتفرش في الأرض قطعة كبيرة من جلد البقر ويجلس عليها العامل "المذنب" وينهال الشيخ عليه ضربًا بالكرباج أو العصا، وكان الفرنسيون يرفضون معاقبة المصريين، وكانوا يفضلون أن يقوم بهذه الوظيفة الشيوخ ورؤساء العمال.