بالتواريخ| 16 مرة حفر وردم.. محطات تأسيس قناة السويس
قناة السويس، واحدة من أهم الشرايين الملاحية في العالم، تصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وتتحكم في ما يزيد على 40% من حركة السفن والحاويات في العالم، احتلت مكانتها الاقتصادية الهامة منذ افتتاحها، فكانت تحتكر نصف تجارة البضائع على مستوى العالم في الفترة بين الحرب العالمية الأولى والثانية.
وبالرجوع بعجلة الزمن للوراء، نجد أن محاولات توصيل البحرين المتوسط والأحمر من خلال قناة ملاحية فكرة مصرية خالصة، وترصد "الوطن" محطات وتاريخ حفر وتأسيس القناة التي ردمت عدة مرات.
- قناة "سنوسرت" في 1849 قبل الميلاد:
شقت في عهد الملك الشجاع سنوسرت الثالث، أحد ملوك الأسرة الثانية عشر، أول قناة مائية تربط ما بين البحرين الأحمر والمتوسط عن طريق النيل، سُميت "سيزوستريس"، أي سنوسرت بالإغريقية، وأدى إنشاء هذه القناة إلى زيادة حركة التجارة بين مصر وبلاد بونت وجزر البحر المتوسط وبالأخص كريت وقبرص.
وفي عهد نخاو الثاني 610 قبل الميلاد، امتلأت القناة بالأتربة وتكون سد أرضي عزل البحرين، حاول نخاو حفرها من جديد إلا أنه توقف إيمانًا بنبؤة عرافة أن شقها سيطمع الأجانب في مصر.
- قناة الفرس 510 قبل الميلاد:
اهتم دارايوش بن حيشوشب ملك الفرس، باستمرار حفر القناة التي تركها نخاو الثاني، وأدخل عليها التحسينات المتمثلة في ربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر بقنوات صغيرة بأحد أفرع النيل لم تكن صالحة للملاحة إلا في وقت الفيضان فقط، ما أدى إلى ازدهار خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس.
- قناة "بطليموس الثاني":
بعد غزو الإغريق مصر في العام 332 ق.م، فتح الإسكندر الأكبر القناة مرة أخرى لنقل الجنود والسفن الحربية لكنها لم تكتمل، وفي عهد بطليموس الثاني 285 ق.م، تم استكمال حفر القناة التي أصبحت متاحة للملاحة معظم عصر البطالمة، وأعقب ذلك إهمالها ما أسفر عن ردمها بالرمال.
- القناة الرومانية:
قرر الإمبراطور الروماني تراجان، إعادة إحياء القناة في العام 117 ق.م، لأسباب تتعلق بضروريات تجارية، فأنشأ فرع جديد للنيل يبدأ من "فم الخليج" بالقاهرة وينتهي في بمحافظة الشرقية، متصلا مع الفرع القديم الموصل للبحيرات المرة، وظلت هذه القناة لمدة 300 عام، حتى طالها الإهمال وأصبحت غير صالحة لمرور السفن.
- القناة بعد الفتح الإسلامي:
أراد عمرو بن العاص، تسهيل المواصلات بين شبه الجزيرة العربية ومصر وشمال إفريقيا، فحفر للقناة من خلال سهل منبسط قليل الارتفاع، لتكون أول وصلة للقناة بين البحرين بشكل مباشر دون اللجوء لأحد فروع النيل، وأطلق عليها "قناة أمير المؤمنين".
واستمرت القناة تؤدي دورها ما بين 100 لـ150 عاما، حتى أمر الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور، بردمها تماما وسدها من ناحية السويس، منعا لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي.
- المماليك:
بعدما اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح التجاري الملاحي، والذي يصل للهند دون المرور بطريق البحر الأحمر ثم البندقية وجنوة، اقترح الإيطاليون على المماليك شق قناة تربط البحرين الأحمر والمتوسط، لمنافسة طريق رأس رجاء الصالح البحري، وعندما علم البرتغاليون هددوا المماليك بالاتفاق مع الأحباش على تحويل مجرى مياه النيل عن مصر.
- نابليون والقناة:
درس علماء الحملة الفرنسية التي قادها نابليون إلى مصر 1798، إمكانية شق قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط للسيطرة على أقصر الطرق للشرق، لكن كبير مهندسي الحملة لوبير، أشار إلى أن البحر الأحمر غالبا أعلى مستوى من البحر المتوسط، وتغير الاقتراح ليكون من خليج السويس إلى القاهرة ثم تتصل بالبحر المتوسط عن طريق توصيلة إلى فرع النيل ثم دمياط وأخرى إلى فرع النيل ثم رشيد، لكن خسارة فرنسا لأسطولها في معركة أبي قير 1798 عجل بخروج الفرنسيين من مصر ولم يكتب للمشروع التنفيذ.
- محمد علي باشا:
قدم الفرنسيون اقتراح مشروع القناة على محمد علي 1833، بعدما راجع العالم الفرنسي لينان بك، قياسات مستوى البحرين ووجدهما في مستوى واحد، إلا أن محمد علي تردد في اتخاذ قرار شق القناة لعلمه بالصراع الشرس الدائر بين القوى الكبرى على الممرات المائية في العالم، قائلًا "لا أريد بوسفورا في مصر".
- دليسبيس:
في 15 أبريل 1846، أنشأ السان سيمونيون بباريس جمعية لدراسات قناة السويس، وأصدر المهندس الفرنسي بولان تالابو، تقريرا في أواخر 1847 مبنيا على تقرير لينان دي بلفون، أكد فيه إمكانية حفر قناة تصل بين البحرين دون حدوث أي طغيان بحري.
وبعد تولي سعيد باشا حكم مصر في 14 يوليو 1854، تمكن دي لسبس، الذي كان مقربا من سعيد باشا، من الحصول على فرمان عقد امتياز قناة السويس في نوفمبر 1854 الأول، وكان مكونا من 12 بندا أهمها حفر قناة تصل بين البحرين ومدة الامتياز 99 عاما من تاريخ فتح القناة.
في 5 يناير 1856، صدرت وثيقتان هما عقد الامتياز الثاني، وقانون الشركة الأساسي، وكان من أهم بنوده، قيام الشركة بكافة أعمال الحفر، مقدرة حجم العمالة المصرية بأربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة في الحفر.
- من الخديو سعيد للافتتاح القناة:
استغرق حفر القناة أكثر من 10 سنوات، وافتتحت رسميًّا للملاحة في عهد الخديوي إسماعيل في نوفمبر 1869، في احتفالات كبرى حضرها أغلب ملوك وأمراء أوروبا.
- عرابي والقناة:
أراد أحمد عرابي، ردم قناة السويس 1881، حتى لا يعبرها الإنجليز ويهاجموا البلاد، إلا أن فرديناند ديليسبس، استطاع إقناعه أن القناة على الحياد ولا يمكن للقوات البريطانية استخدامها في أغراض حربية، فلم يحترم الإنجليز وضع القناة بالنسبة للملاحة الدولية واخترقت قواتهم قناة السويس حتى وصلت إلى الإسماعيلية.
- بريطاينا والقناة:
بعد أن فرضت بريطانيا سيطرتها التامة على القناة ومصر، اكتفت بسفينتين كل شهر بعد رفضها مرور سفنها من الهند للبحر الأحمر، وكانت تهدف من وراء ذلك إلى إظهار مشروع القناة في صورة خاسرة ومضاعفة متاعب الشركة، فأرادت أن تشتري القناة بأبخس سعر ممكن، واشترت أسهم مصر في القناة في 1875، واعتبر هذا البيع ضربة موجعة شديدة للمصالح الفرنسية، أما بريطانيا فطالبت بحقها في إدارة القناة.
- القناة بعد الجلاء:
يعد قيام ثورة يوليو 1952، طالبت حكومة الثورة إنجلترا بجلاء قواتها عن مصر وقاعدة قناة السويس، وفي 1954 تمت اتفاقية الجلاء التي نصت على: "يتم انسحاب القوات البريطانية خلال عشرين شهرًا، فيما تبقى في مناطق محددة في قاعدة قناة السويس في حالة تشغيل تتسم بالكفاءة والصلاحية للاستخدام الفوري بواسطة بريطانيا، في حالة وقوع هجوم مسلح من دولة خارجية على إحدى الدول العربية أو التركية، مع ضمان حرية الملاحة في القناة".
- التأميم:
"قرار رئيس الجمهورية تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية"، أعلن جمال عبد الناصر، بهذه الكلمات تأميم شركة قناة السويس، وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية ونقل ملكيتها من الحكومة الفرنسية التي تديرها، وجاء القرار بسبب رفض البنك الدولي تمويل الحكومة المصرية لبناء السد العالي، وأدى إلى العدوان الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر.
- النكسة:
أغلقت القناة أثناء حرب 1967، بفعل السفن الغارقة فيها، وافتتحت مرة أخرى في يونيو 1975.
- القناة الجديدة:
"نأذن نحن عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية ببدء حفر قناة السويس الجديدة لتكون خيرا لشعبنا العظيم.. حفظ الله شعب مصر وتحيا مصر"، بهذه الكلمات أعلن السيسي في 6 أغسطس 2014، إشارة بدء حفر القناة الجديدة، لمضاعفة إيرادات قناة السويس، وعدد السفن العابرة يوميا للقناة.
وبعد مرور عام من بدء تنفيذ المشروع، يفتتح الرئيس السيسي بحضور زعماء وقادة من مختلف دول العالم، القناة الجديدة، كأهم مشروع قومي لدعم استقرار الاقتصاد المصري.