السرية مفتاح النجاح.. حكومة ناصر علمت بـالتأميم قبل ساعتين من تنفيذه
داخل منزله الذي يعلو صخرة كائنة على شاطئ "ستانلي" بالإسكندرية، وقف مستسلما للصراع الذي يدور داخل عقله، يشاهد الأفكار ترتطم داخل رأسه كما ترتطم الأمواج أمامه بالشاطئ، فالوقت المتبقي قبل ساعة الصفر التي حددها قليل، ففي تمام الساعة السادسة كان على الرئيس جمال عبدالناصر، أن يخطو خطوة أخرى ويخبر مجلس الوزراء بقراره الذي حضر له كثيرا ولم يعلم به أحدا من قبل، فجلس عبدالناصر مع حكومته باستثناء بعض الوزراء، يكشف لهم عن قراره بتأمين قناة السويس قبل ساعتين فقط من التنفيذ.
حالة من التخبط أصابت الوزراء الذين التفوا حول طاولة واحدة يتوسطها الرئيس، هؤلاء يتفقون وآخرون يؤيدون التريث، وبعضهم يرى ضرورة لإعادة الحساب ودراسة الموقف جيدا، ليكون الاضطراب والاعتراض سيد الموقف، كما ذكر المهندس عبدالحميد أبوبكر في مذكراته "قناة السويس.. والأيام التي هزت مصر".
ودارت نقاشات واقتراحات كثيرة إلا أنها لم تثني ناصر عن قراره، بل زادت إصراره على تنفيذه حتى إذا تحمل المسؤولية وحده، لينتهي الاجتماع بلا قرار ويترك الأمر كله للرئيس ينفذ التأميم على مسؤوليته، حيث لم يعترض المجلس أجمع على التأميم، ولكن ايضا لم يوافق المجلس بالإجماع.
أسئلة كثيرة طرحها الوزراء في الوقت الضائع، حاول ناصر حينها الإجابة عليها لطمأنتهم، كان أهمها احتمالية تدخل بريطانيا لإحباط قرار التأميم، ورد ناصر: "الإنجليز لا يمكنهم التدخل قبل شهرين على الأقل، وأحتاج شهر واحد فقط لتحقيق النجاح"، وطرح سؤال أخر عن احتمالية استخدام إسرائيل من قبل بريطانيا لغزو مصر، ورد ناصر أن هذا مستبعد لأنه سوف يدمر بريطانيا في الشرق الأوسط، ولن ترتكب بريطانيا هذه الغلطة، وعن احتمالات تدخل فرنسا، اعتبره ناصر احتمالا قائما مستطردا "أعتقد أن فرنسا غارقة بالجزائر".
وبختام الاجتماع، أكد عبدالناصر أنه يتحمل مسؤولية قرار التأميم، وأن للشعب المصري والتاريخ أن يحاسبوه عليه، موضحا أنه ليس لأحد أن يتحمل نتيجة قرار خطير لم يعرف به قبل إعلانه بوقت قصير، ليغادر بعدها الاجتماع برفقة عبداللطيف البغدادي، وزكريا محيي الدين، وجمال سالم، وعبدالحكيم عامر، وحسين الشافعي، وكمال الدين حسين، وحسن إبراهيم، وصلاح سالم، وخالد محيي الدين، ويتوجهوا جميعا للمؤتمر الشعبي بميدان المنشية لإعلان قرار التأميم.