جرسونة تقدم طلبات.. وتحاسب الزباين.. أيوة جااااى

كتب: روان مسعد

جرسونة تقدم طلبات.. وتحاسب الزباين.. أيوة جااااى

جرسونة تقدم طلبات.. وتحاسب الزباين.. أيوة جااااى

«جارسون»، هى الكلمة الفرنسية المتداولة فى مصر لمهنة النادل، والترجمة الحرفية لها «ولد»، لكن الفتاة استطاعت أن تخترق كل المجالات، ولا ترى عراقيل فى أن تدخل مهنة تتسم ببعض الذكورية، أو تتطلب مهارات خاصة.. «النادل» هو شخص يقف لتلبية طلبات الزبائن، وتقديم المشورة فى أنواع الطعام والمشروبات المختلفة، وفى مصر، تقف «النادلة»، تتحدى بعض عادات مجتمعها، وتتعامل مع الرجال بحرية، رغبة فى تأمين مستقبل بعيد لها، أو اكتساب مهارات جديدة، فى مجال عمل فريد. «بسنت وحيد» فتاة عشرينية تخيرت لنفسها خطاً مهنياً مختلفاً، «كافيتريا» داخل أحد المستشفيات، فى البداية كان عملها يقتصر على الشاى والقهوة للممرضات والدكاترة وزوار المستشفى، أكثر من ثلاث سنوات قضتها بين فناجين وأكواب ومعيار سكر وحليب، ذاقت طوال تلك السنوات مضايقات من مديرها الذى كان يرى للفتيات ضرورة الجلوس فى المنزل دون عمل، وأن الشباب أفضل، خاصة فى تلك المهنة، وكانت فى البداية تتقاضى 400 جنيه فقط، وتحملت «بسنت» حتى وصلت إلى درجة الترقية إلى مديرة الكافيتريا، إلا أن الرجل الغليظ لم يتركها وشأنها: «أنا كبنت ماقدرش أتحمل حد يقف يزعق فى وشى على حاجة، ويقول ألفاظ خارجة جداً». فضّل المدير مساعده عليها، رغم أن مستواها التعليمى أعلى منه هى الحاصلة على دبلوم تجارة، كانت أولى بأن تكون هى الفضلى، وبعد أن لمست فيه الرغبة فى طردها، قررت أن تختار كرامتها الشخصية، فرحلت عن المستشفى بحثاً عن عمل آخر، وكان فى المجال ذاته، رغم الراتب الضعيف، حيث تقاضت فى المستشفى 900 جنيه فى آخر أيام عملها، حيث أوشكت على أن تكون مدير كافيتريا، وفى أحد المطاعم وجدت «بسنت» ضالتها من العمل، حيث بدأت العمل فى أحد المطاعم، بمقابل مادى أعلى، وساعات عمل أقل، ومديرين بمعاملة إنسانية. «فى أى مكان لازم يفضّلوا الولد عن البنت»، هى الحقيقة التى لمستها «بسنت» طوال فترة عملها فى مجال المطاعم، وعلى الرغم من ذلك، تفضّل «بسنت» العمل، رغم بساطته، عن الجلوس فى المنزل، وتتعرّض يومياً لمضايقات من الزبائن، الذين لا يحترمونها فى الأغلب ويعاملونها كـ«مجرد جرسونة»، ولأن القاعدة التى يسيرون عليها دوماً هى أن «الزبون دائماً على حق». ظروفها المادية حالت دون حصولها على «بكالوريوس التجارة»، فهى كانت تأمل فى أن تكون محاسبة، لكنها ترى كذلك أن العقل هو المسئول عن التفوق فى العمل وليس التعليم، فبدلاً من أن تكون مجرد «جرسونة» تطمح فى أن تكون المسئولة عن الجرسونات، ولذلك سوف تخصص وقتاً فى المستقبل القريب لإكمال تعليمها. بعد عناء الاحتياج إلى الشغل، فإن الرفاهية فيه هى الطموح، «أنا باشتغل عشان أصرف على نفسى وأجيب علاجى وهدومى، ماباخدش أى حاجة من البيت غير الأكل بس»، بعد وفاة والدها شعرت بالمسئولية تجاه والدتها، فكان إزالة عبء مصاريفها هى المساعدة المناسبة: «ماباكلش ولا باشرب بره البيت، باحوش عشان أدخل جمعية ومواصلاتى بس، ونفسى أنجح فى شغلى». «الجواز بقى سهل جداً، بيت يضلل عليا ودبلة فضة، مع واحد هيصونّى ويخاف عليا»، هو كل ما تطمح فيه الفتاة عند إيجاد نصفها الآخر، وحلم الشبكة والفستان لم يعد يراوضها كما فى السابق، بل إحساس الأمان، حتى إنها لن تمانع فى الشغل لمساعدة شريك حياتها يوماً ما، لتوفير حياة كريمة لأطفالهما. لـ«خلود» وجهة نظر مغايرة عن زميلتها «بسنت»، فهى ترى فى مهنة الجرسونة «إهانة» لها كفتاة، والأفضل ألا تعمل بها إطلاقاً، «خلود» التى تبلغ 23 عاماً، عمرها فى المجال لا يتعدى 8 أشهر، وفى السابق كانت تعمل فى سكرتارية إحدى الشركات، ثم فى محل لبيع الملابس، ثم شركة لمستلزمات الأطفال، لكنها دخلت المجال صدفة حينما لم تجد منفذاً آخر لتجهيز نفسها كعروس، حيث يقترب موعد زفافها، ووالداها منفصلان، ولا تريد أن تهين كرامتها معهما، بعد أن تركاها فى بيت جدتها صغيرة، ليتزوجا. «مش حلو إنى أوطى قدام زبون عشان أحط له الأكل»، تقول الفتاة التى فكرت فى البحث عن مهنة فى مجال آخر للعمل بعيداً عن «دوشة الزباين والمديرين»، وتلك ليست آخر المساوئ التى تعانى منها «خلود»: «لو وقفت أنضف ترابيزة، الزبون بيفتكرنى عايزة بقشيش، وده مهين لكرامتى، أنا باشتغل وباخد مرتب، مش باشحت من الزباين». «زينب» واحدة ممن تم تعيينهم داخل أحد المطاعم، وهى ميزة لا تحصل عليها أى فتاة بسهولة، إلا أنها تريد التمرد على وضعها، قائلة: «للأسف دايماً يفضلوا الولد فى المهنة دى وبيكون أعلى من البنت». «المجال ده لو هينصفنا هنكمل فيه، بس احنا لا بنترقى ولا مرتبنا بيزيد»، هو ختام ما قالته زينب، لترد عليها زميلتها «رحمة أشرف»، «أنا بنت بميت راجل، فى الشغل وبره الشغل، وأقدر أعمل اللى بيعمله الولد ألف مرة»، فتاة صغيرة لا تزال فى سن المراهقة ولكنها قررت أن تكون «جرسونة»، تقول «مفيش فلوس بتيجى من غير شقى، وبيطلع عين الواحدة عشانها»، شعورها بحالة أهلها المادية هو ما دفعها للنزول للعمل، رغم أنها لا تزال فى المدرسة، «بجيب مصاريفى، وهدخل المعهد كمان بفلوسى»، مجال العمل لدى المطاعم هو الأمان الذى ترغبه «رحمة» فى حياتها المستقبلية، ورغم المضايقات التى تتعرض لها الكثير من الفتيات لكنها ترى أن مهنتها أخف ضرراً.