بالفيديو| من ميدان المنشية.. ناصر يؤمم قناة السويس

كتب: محمود عباس

بالفيديو| من ميدان المنشية.. ناصر يؤمم قناة السويس

بالفيديو| من ميدان المنشية.. ناصر يؤمم قناة السويس

"أيها المواطنون، نحتفل اليوم باستقبال العيد الخامس للثورة، باستقبال السنة الخامسة للثورة، بعد أن قضينا أربع سنوات نكافح ونجاهد ونقاتل؛ للتخلص من آثار الماضي البغيض، للتخلص من آثار الماضي الطويل.. للتخلص من آثار الاستعمار الذي استبد بنا قرونًا طويلة، وللتخلص من آثار الاستبداد الذي تحكم فينا، وللتخلص من آثار الاستغلال الأجنبي والاستغلال الداخلي"، بتلك الكلمات الحماسية بدأ الزعيم جمال عبدالناصر خطابه الذي ألقاه في 26 يوليو عام 1956، والذي بدا في أوله خطابًا احتفاليًا عاديًا لا ينبئ بأن نهايته ستحمل التاريخ وتقدمه هدية إلى المصريين. "عبدالناصر" تطرق خلال خطابه إلى محاور عدة، على رأسها المعارك التي يخوضها الشعب المصري من أجل صنع مستقبله والتخلص من آثار الماضي، والتي لم تنته ولن تنتهي، ويجب أن نكون دائمًا على حذر منها وعلى حيطة من ألاعيب المستغلين والمستعمرين وأعوان المستعمرين، ثم تحدث عن إسرائيل التي وصفها بـ"صنيعة الاستعمار"، ووسيلته لضعضعة قوميتنا، وإضعاف عروبتنا، والتفريق بيننا. الحديث ينتقل إلى شهيد مصر "مصطفى حافظ"، قائد الجيش الفلسطيني، الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي قبل أيام من خطاب التأميم، حيث قال عنه "عبد الناصر": "من أيام قليلة ماضية استشهد اتنين من أعز الناس لنا - بل من أخلص الناس لنا - استشهد مصطفى حافظ، قائد جيش فلسطين، وهو يؤدي واجبه من أجلكم، ومن أجل العروبة، ومن أجل القومية العربية.. مصطفى حافظ اللي قال على نفسه إن يدرب جيش فلسطين، وأن يبعث جيش فلسطين، وأن يبعث اسم فلسطين، فهل سها عنه أعوان الاستعمار؟ هل سهت عنه إسرائيل صنيعة الاستعمار؟ هل سها عنه الاستعمار؟ أبدًا.. إنهم كانوا يجدون في مصطفى حافظ.. كانوا يجدون فيه تهديدًا مباشرًا لهم، وتهديدًا مباشرًا لأطماعهم، وتهديدًا مباشرًا ضد المؤامرات التي كانوا يحيكونها ضدكم، وضد قوميتكم، وضد عروبتكم، وضد العالم العربي؛ فاغتيل مصطفى حافظ بأخس أنواع الغدر، وأخس أنواع الخداع، اغتيل مصطفى حافظ، ولكنهم هل يعتقدون أنهم بقتل مصطفى حافظ أو بالتخلص من مصطفى حافظ، لن يجدون من يحل محل مصطفى حافظ؟ إنهم سيجدون في مصر وبين ربوع مصر جميع المصريين، كل واحد منهم يحمل هذه المبادئ ويؤمن بهذه المبادئ، ويؤمن بهذه المثل العليا". أما صلاح مصطفى، شهيد مصر الثاني في فلسطين، وصفه "عبدالناصر" بأنه: "أخي الذي قام معي في ٢٣ يوليو، قام يجاهد من أجل مصر وهو يؤمن بالمبادئ والمثل العليا. صلاح مصطفى قام وهو يؤمن بكم.. يؤمن بحريتكم، ويؤمن بعزتكم، ويؤمن بكرامتكم يوم ٢٣ يوليو، ولكنه آثر أن يكافح ويجاهد في صمت وفى سكون.. ماكانش حد فيكم أبدًا يعرف مين هو صلاح مصطفى، إيه اللي عمله صلاح مصطفى، إيه دور صلاح مصطفى في ثورة ٢٣ يوليو. آثر صلاح مصطفى أن يكافح ويجاهد وهو يؤمن أنه قد وهب نفسه ووهب روحه ودمه في سبيلكم.. في سبيل مصريتكم، وفي سبيل مبادئكم، وفي سبيل مثلكم، كان يؤمن أنه قد وهب روحه ووهب نفسه ووهب دمه في سبيل القومية العربية وفي سبيل الوطن العربي". "سياسة عدم الانحياز"، التي قادت حركتها مصر منذ مؤتمر "باندونج" عام 1955، كان لها جانب كبير من خطاب "ناصر"، حيث أكد أنه سافر لحضور مؤتمر "بريوني"، واجتمع بالرئيس "تيتو" ، رئيس جمهورية يوغوسلافيا، والرئيس "نهرو"، رئيس وزراء الهند: "الاتنين اللي أعلنوا سياسة عدم الانحياز؛ السياسة الحرة المستقلة. وزرت وأنا رايح إلى بريوني يوغوسلافيا، والتقيت بالشعب اليوغوسلافي، ووجدت ولمست صداقة الشعب اليوغوسلافي للشعب المصري، وتقدير الشعب اليوغوسلافي للشعب المصري. واتجهت إلى بريوني وابتدأنا نبحث الوسائل ونتبادل الرأي في المشاكل العالمية وفي مشاكلنا، وانتهى مؤتمر بريوني بانتصار كبير للسياسة التي تتبعها مصر؛ اللي هي سياسة عدم الانحياز.. انتصار كبير للقضايا العربية، وأعلنت في المجالات الدولية". "ناصر" استكمل خطابه متحدثًا عن المعارك التي خاضتها مصر من أجل محاربة الاستعمار في الوطن العربي ككل، بدءًا باتفاقية جلاء القوات الإنجليزية عن مصر، ثم حركات التحرر العربية التي بدأت بالجزائر والأردن والتي تبنتها مصر بالكامل من أجل عروبتها، وبدأت معركة "تسليح الجيش"، بمفاوضات لشراء السلاح من أمريكا التي رهنت إمدادنا بالسلاح بتوقيع مصر اتفاقية "الأمن المتبادل" التي قال عنها "ناصر": "تعرفوا ميثاق الأمن المتبادل معناه إيه؟ معناه أنه تيجي بعثة أمريكية تقعد في مصر هنا تمشى أمور الجيش المصري، وعبد الحكيم عامر ما يبقالوش دعوة بالجيش المصري". مفاوضاتها من أجل السلاح وبناء جيش وطني قوي، استمرت، وانتهت بإعلان "عبد الناصر" شراء السلاح من روسيا، "وبعدين استطعنا إن إحنا نشتري سلاح من روسيا.. باقول من روسيا مش من تشيكوسلوفاكيا.. من روسيا.. اتفقنا مع روسيا على أنها تمدنا بالسلاح، ووافقت روسيا على أن تمدنا بالسلاح، وتمت صفقة الأسلحة، وبعدين حصلت ضجة كبرى.. إيه الغرض من الضجة دي؟ بيقولوا: دا السلاح الشيوعي، مش عارف أنا فيه سلاح شيوعي وسلاح غير شيوعي؟! أنا أعرف السلاح اللي ييجي هنا في مصر يبقى سلاح مصري". "وانتهت.. انتهت قصة المفاوضات والأحلاف الأولانية، وبعدين انتهت قصة السلاح، وبدأت قصة السد العالي"، بتلك الكلمات بدأ "ناصر" يتحدث عن "حكاية شعب" لاستكمال مسار التنمية المتمثل في رحلة تمويل السد العالي، فاتصل بالبنك الدولي الذي أوضح أن هناك عقبات تمنع مشاركته في تمويل السد، "قالولنا الأحوال عندكم لا تدعو إلى الاطمئنان، فيه الإنجليز وفيه إسرائيل، أما تسووا موضوعكم وخلافكم مع الإنجليز، وتسووا موضوعكم وخلافكم مع إسرائيل، نبقى نمول هذا المشروع، وكمان أنتم يعنى ما عندكوش نظام برلماني، إحنا نطلب منكم إنكم تعملوا استفتاء على هذا المشروع". اتصالات مكثفة قامت بها مصر مع شركات الصناعة الألمانية والحكومة الألمانية، واتفقت الشركات الصناعة الألمانية مع الشركات الفرنسية والإنجليزية على إعطاء كل منهم لمصر قرض متوسط الأجل قيمته 5 مليون دولار، وعلى مصر أن تستكمل تمويل السد بالعملة الأجنبية، ثم عرضت "إنجلترا" بعد ذلك رفع قيمة القرض إلى 45 مليون جنيه مقسمة على الدول الثلاثة. رحلة مريرة من المفاوضات مع إنجلترا وأمريكا والبنك الدولي شرحها "ناصر" من أجل إتمام تمويل السد العالي، سادتها مماطلات من الأطراف الثلاثة وتراجع في التعهدات وشروط مجحفة من أجل المشاركة في التمويل، "الحكومة الأمريكية بعتت مذكرة، والحكومة البريطانية بعتت مذكرة، والبنك بعت الجواب دا. الحكومة الأمريكية تحيلني على مذكرة الحكومة البريطانية وجواب البنك، جواب البنك يحيلني على مذكرة الحكومة البريطانية ومذكرة الحكومة الأمريكية، مذكرة الحكومة الإنجليزية تحيل على دي... يعني العملية بقت عقدة، وظهر إن فيه هناك فخ بيعمل لنا للسيطرة على استقلالنا الاقتصادي.. هذا الكلام رفض رفضًا باتًا، وقلنا: إن إحنا مش ممكن نبيع نفسنا بـ 70 مليون دولار معونة". "الدب الروسي" يتدخل، حيث أكد الرئيس جمال عبد الناصر أن السفير الروسي، حضر إلى القاهرة في فبراير 1956، وقال إن روسيا مستعدة أن تشترك في تمويل السد العالي، إلا أن "ناصر" طلب منه إرجاء الحديث في تفاصيل ذلك الأمر لوجود مفاوضات مع البنك الدولي، وما أن وصلت تلك الأنباء لمدير البنك الدولي "مستر بلاك"، حتى طلب الحضور إلى مصر بداعي التفاوض في أمر المشاركة في تمويل السد العالي وتسهيل كل العقبات من أجل ذلك، "بعد مفاوضات طويلة قال: إن هو ما يقدرش يوقع اتفاق نهائي في الوقت الحالي؛ لأن هناك مسائل قانونية، ولغاية ما نحل اتفاق المية بين السودان ومصر.. وبعد ما نحل اتفاق المية بين السودان ومصر بيبقوا يوقعوا الاتفاق، وان احنا نقدر نبتدي من النهارده في المشروع معتمدين على السبعين مليون دولار اللي جايين لنا من أمريكا وإنجلترا". كل "بلاك" ما كان يقعد يتكلم وأحس بالعقد اللي موجودة، والحاجات اللي موجودة في الكلام اللي موجود، يرجع بي التفكير إلى فرديناند ديلسبس، كانت تلك الكلمات بمثابة النقلة النوعية التي قلبت الخطاب رأسًا على عقب، فقد أسرف بعدها الرئيس جمال عبدالناصر في الحديث عن "قناة السويس"، وقدوم "ديلسبس" إلى مصر ورحلته مع الخديوي سعيد، والمعاناة التي عاناها المصريون في "السخرة" أثناء حفرها، وأحقية المصريين فيها شهادة دمائهم التي روتها قبل أن تصل المياه إليها، إلا أن كل الحاضرين ما كانوا ليتوقعوا أن تخرج تلك الكلمات مدوية من فم "ناصر"، حينما قال: "قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقنال السويس البحرية"، وفي لحظات تعج القاعة بتصفيق حار وهتافات مدوية. "باسم الأمة.. باسم الأمة، رئيس الجمهورية.. مادة 1: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات، وتحل جميع الهيئات واللجان القائمة حاليًا على إداراتها، ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس عما يملكونه من أسهم وحصص بقيمتها، مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون في بورصة الأوراق المالية بباريس، ويتم دفع هذا التعويض بعد إتمام استلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة. مادة 2: يتولى إدارة مرفق المرور بقناة السويس مرفق عام ملك للدولة.. يتولى إدارة مرفق المرور بقناة السويس هيئة مستقلة تكون لها الشخصية الاعتبارية، وتلحق بوزارة التجارة، ويصدر بتشكيل هذه الهيئة قرار من رئيس الجمهورية، ويكون لها - في سبيل إدارة المرفق - جميع السلطات اللازمة لهذا الغرض، دون التقيد بالنظم والأوضاع الحكومية. ومع عدم الإخلال برقابة ديوان المحاسبة على الحساب الختامي، يكون للهيئة ميزانية مستقلة، يتبع في وضعها القواعد المعمول بها في المشروعات التجارية، وتبدأ السنة المالية في أول يوليو، وتنتهي في آخر يونيو من كل عام، وتعتمد الميزانية والحساب الختامي بقرار من رئيس الجمهورية. وتبدأ السنة المالية الأولى من تاريخ العمل بهذا القانون وتنتهي في آخر يونيه سنة 1957. ويجوز للهيئة أن تندب من بين أعضائها واحدًا أو أكثر لتنفيذ قراراتها أو للقيام بما تعهد إليه من أعمال، كما يجوز لها أن تؤلف من بين أعضائها أو من غيرهم لجاناً فنية؛ للاستعانة بها في البحوث والدراسات. يمثل الهيئة رئيسها أمام الهيئات القضائية والحكومية وغيرها، وينوب عنها في معاملتها مع الغير. مادة 3: تجمد أموال الشركة المؤممة وحقوقها في جمهورية مصر وفي الخارج، ويحظر على البنوك والهيئات والأفراد التصرف في تلك الأموال بأي وجه من الوجوه، أو صرف أي مبالغ أو أداء أية مطالبات أو مستحقات عليها إلا بقرار من الهيئة المنصوص عليها في المادة الثانية. مادة 4: تحتفظ الهيئة بجميع موظفي الشركة المؤممة ومستخدميها وعمالها الحاليين، وعليهم الاستمرار في أداء أعمالهم، ولا يجوز لأي منهم ترك عمله أو التخلي عنه بأي وجه من الوجوه، أو لأي سبب من الأسباب؛ إلا بإذن من الهيئة المنصوص عليها في المادة الثانية. مادة 5: كل مخالفة لأحكام المادة الثالثة يعاقب مرتكبها بالسجن والغرامة توازى ثلاثة أمثال قيمة المال موضوع المخالفة. وكل مخالفة لأحكام المادة الرابعة يعاقب مرتكبها بالسجن، فضلاً عن حرمانه من أي حق في المكافأة أو المعاش أو التعويض. مادة 6: ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية، ويكون له قوة القانون، ويعمل به من تاريخ نشره، ولوزير التجارة إصدار القرارات اللازمة لتنفيذه. بفرحة غامرة، أخذ الرئيس جمال عبد الناصر يبشر المصريين بقرب عهد البناء والرخاء والخير، "حنبني؛ نبنى الصناعة في مصر، وننافسهم، هم لا يريدوا أن نكون دولة صناعية؛ علشان منتجاتهم تمشي عندنا ويكون لها سوق هنا. ما شفتش أبدًا معونة أمريكية متجهة إلى التصنيع؛ لأن المتجهة إلى التصنيع طبعًا حتكون منافسة، ولكن المعونة الأمريكية دائماً متجهة إلى الاستهلاك". "كل ما يطلع كلام من واشنطن حاقول لهم موتوا بغيظكم"، تعبير تلقائي من "ناصر" يدل على عدم خشية مصر من أية ردود فعل عالمية قد تصاحب ذلك القرار، ثم انتظر لختام خطابه ليبشر المصريين بنصرٍ آخر، "والآن - وأنا أتكلم إليكم - يتجه إخوة لكم من أبناء مصر ليديروا شركة القنال، ويقوموا بعمل شركة القنال، الآن.. دلوقت.. بيستلموا شركة القنال.. شركة القنال المصرية.. مش شركة القنال الأجنبية.. قاموا دلوقت ليستلموا شركة القنال، ومرافق شركة القنال، ويديروا الملاحة في القنال.. القنال اللي بتقع في أرض مصر، واللي بتخترق أرض مصر، واللي هي جزء من مصر، واللي هي ملك لمصر، يقوموا الآن بهذا العمل؛ لنستعوض ما فات، ولنستعوض الماضي، ولنبني صروحًا جديدة في العزة والكرامة".