رحلة صعود «البرادعي».. «الكتلة الحرجة» ستسقط نظام «مبارك»

كتب: إمام أحمد

رحلة صعود «البرادعي».. «الكتلة الحرجة» ستسقط نظام «مبارك»

رحلة صعود «البرادعي».. «الكتلة الحرجة» ستسقط نظام «مبارك»

يقف المئات فى ساحة الاستقبال بمطار القاهرة، ينتظرون طلوع شمس «مبشرهم»، يترقبون لحظة وصول «قدّيسهم الملهم»، يصطفّون لرؤية الظهور الأول له وجهاً لوجه بغير وسيط فضائى للتواصل عن بُعد.. أحدهم يرفع لافتة بيضاء: «أهلاً بزعيم الأمة»، وآخر يحمل صورته: «نعم.. رئيساً لمصر»، وثالث يرتدى قناعاً مرسوماً عليه الوجه المنتظر ويُمسك فى يده اليمنى لوحة مكتوباً عليها بالإنجليزية: «Hello Mr. Bradei». وبعد ساعات لم يشعر فيها الدراويش بالملل أو الضيق، تجلى الشيخ الكبير وخطى خطواته الأولى على أرض الوطن بعد فراق دام لأكثر من 20 عاماً.. «شد القلوع يا برادعى.. مفيش رجوع يا برادعى»، بهذا الهتاف بدأت الرحلة فى فبراير 2010، رحلة تحدٍّ وخوف، أمل ويأس، ثقة وشك، قوة وضعف، نصر وهزيمة، استمرت لنحو 4 سنوات، شهدت ثورتين، وعزل رئيسين، وتعيين رئيس مؤقت، وتشكيل وحل عدة حكومات، وتعطيل وإلغاء وصياغة عدة دساتير، وإجراء العديد من المعارك التصويتية حول تعديلات دستورية أو وثيقة كاملة للدستور أو برلمان أو رئيس، إضافة لتنظيم عشرات المليونيات والمسيرات والوقفات الاحتجاجية وسط مشهد سياسى شديد السيولة، إلى أن انتهت الرحلة بالعودة إلى المربع صفر، إلى أرض المطار مجدداً، لكن هذه المرة فى «صالة السفر» وليست «صالة الوصول»، مع ليلة فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول، الليلة نفسها التى كتب فيها الدكتور محمد البرادعى، نائب رئيس الجمهورية السابق، استقالته من منصبه، واستقالته كذلك من كل شىء.. القصر، الحزب، الميدان، حتى الفضاء الإلكترونى، خلوته التى كان لا يمل منها، ليقرر بمحض إرادته الخروج من «كادر الصورة» تماماً، والعودة إلى حيث كان، فى منزله الكبير والهادئ بالعاصمة النمساوية، ليتوقف نداء «مفيش رجوع»، وتنتهى أسطورة «مكملين»، ويُسدل الستار على رحلة «فيينا-القاهرة» ذهاباً وعودة.
4 محطات فى 4 أعوام، مرت بها قافلة «البوب» ورفاقه، بمعدل محطة فى كل عام، لكل محطة معركة وخصم وهدف ونتيجة بمكسب وخسارة أو بكليهما معاً. المعركة الأولى كانت فى مواجهة الرئيس الأسبق حسنى مبارك، واستمرت من مطار القاهرة 2010 إلى ميدان التحرير 2011 الذى شهد اندلاع ثورة 25 يناير وصولاً لإعلان التنحى فى 11 فبراير، انتقادات عديدة وجّهها رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية إلى نظام «مبارك» خلال العام الأول من الرحلة، النظام الذى وصفه بأنه «غير قابل للاستمرار»، واتهمه بـ«الفساد والاستبداد»، ودعا الأحزاب والقوى السياسية لعدم المشاركة فى آخر انتخابات برلمانية فى عهده التى أسفرت عما عُرف بـ«برلمان أحمد عز»، وعقب الانتخابات ومع زيادة الغضب وشعور الجميع بالخسارة، تحول «البرادعى» من «مؤذن فى مالطة» إلى «أيقونة التغيير» ورأس حربة لكل الذين يريدون الضغط على النظام أو إزاحته تماماً. جرت كرة الثلج بأسرع مما تصور أكثر المتفائلين، وانطلق القطار الذى لم يعد أحد قادراً على إيقافه، ومن منزله تأسست الجمعية الوطنية التى ترأسها وانطلقت حملة «مطالب التغيير» التى تضمنت 7 مطالب أبرزها مطلب تعديل الدستور، الحملة التى جمعت نحو مليون توقيع فى شهور قليلة دون أن يكترث بها النظام أو يستجيب لمطالبها تحت شعار «خليهم يتسلوا»، حتى انقلبت التسلية إلى «جد موجع»، واندلعت ثورة 25 يناير التى كتب «البرادعى» قبلها بيوم واحد، عبر حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»: «الشباب هم الأمل والنظام إلى زوال.. سننتصر».
المعركة الأولى ضد نظام مبارك، التى خاضها الحائز على جائزة نوبل للسلام، كانت أصعب المعارك وأشرسها، بحسب وصف الدكتور أسامة الغزالى حرب، أستاذ العلوم السياسية، وأحد الذين شاركوا «البرادعى» فى العمل تحت مظلة «الوطنية للتغيير»، وأحد الذين رافقوه بالمسيرة التى انطلقت من مسجد الاستقامة بالجيزة فى جمعة الغضب 28 يناير، وقوبلت بـ«خراطيم المياه»: «لم يكن أحد يتوقع أن يرحل مبارك فى ذلك الوقت وتحدث ثورة ويسقط النظام، لكن د. البرادعى توقّع ذلك وخاض المعركة بكل شجاعة وكان يراهن على ما سماه الكتلة الحرجة، وهو مفهوم علمى يشير إلى الكتلة الذرية التى إذا تجمعت وتفاعلت مع بعضها سيحدث الانفجار، أى الثورة، ويسقط النظام، وكان شباب الحركات الاحتجاجية هم قوام هذه الكتلة التى نجحت بالفعل فى تحريك المياه الراكدة وإشعال الثورة»، «الغزالى» أشار إلى القيمة الدولية لـ«البرادعى» وحصوله على «نوبل» وعمله السابق رئيساً لوكالة دولية على مدار 3 فترات متعاقبة من 1997 حتى 2009، كلها عوامل أعطت له حصانة وجعلت منه الأصلح والأقدر على القيام بهذا الدور فى هذا التوقيت، فى مواجهة نظام استقر لـ30 عاماً، ويملك العديد من الأدوات التى تمكنه من الإطاحة بخصومه: «كان من الصعب اعتقال البرادعى أو الضغط عليه أو ترهيبه بأى وسيلة، باستثناء بعض الأمور التافهة التى لا قيمة لها مثل ترويج شائعة أو فبركة صورة، وذلك لأنه جاء من الخارج ويتمتع بحصانة دولية وثقل عالمى حقيقى، وبالتالى استطاع أن يدير المعركة بقوة ونجاح، لا سيما أنه جاء فى ظل أجواء محتقنة وغضب اجتماعى متصاعد، وصولاً إلى الثورة، ثم إلى مساء 11 فبراير الذى أعلن فيه الرئيس الأسبق تنحيه عن حكم البلاد».

مواضيع متعلقة