سكينة فؤاد: «رمضان» بالنسبة لي لمة ومحبة وأجواء ساحرة على «شواطئ بورسعيد»
سكينة فؤاد: «رمضان» بالنسبة لي لمة ومحبة وأجواء ساحرة على «شواطئ بورسعيد»
تذكرت الكاتبة الصحفية والروائية سكينة فؤاد شهر رمضان فى أيام طفولتها، وتنظر له دائماً على أنه الضيف الكريم الذى يهبنا فرصة التغيير وسط دوامة الحياة المتكررة والنمط اليومى، وكأنه محطة للراحة النفسية والاقتراب أكثر من الله، فى زمن تعصف فيه الأزمات بالإنسانية كلها.
وتابعت: «حين أعود بذاكرتى إلى طفولتى، أجد نفسى فى مدينتى العزيزة، بورسعيد الباسلة، حيث كان لرمضان بهجة خاصة، فهى كانت من أكثر المدن المصرية قدرة على الاحتفال بالأعياد، ولها طابع يميزها عن غيرها، فكيف بأجوائها فى شهر رمضان، الذى يملأ الأجواء بعطر إيمانى وإنسانى عميق، كانت أيام لمة وفرحة، والفوانيس الزجاجية تضىء الشوارع، ما زلت أذكر كيف كنا نحن الأطفال نجتمع على شاطئ بحر بورسعيد تحت الكبائن الخشبية، نلهو ونغنى، دون أن تشغلنا شاشات الهواتف أو وسائل الانفصال التى أطلقوا عليها التواصل الاجتماعى، لكنها فى الحقيقة صنعت مسافات بين البشر وباعدت العلاقات».
وأضافت: «كان رمضان شهراً يزدهر فيه التآلف بين الناس، حيث يحرص الجميع على تقديم موائد صغيرة يجتمع حولها الأحباب والأقارب والأصدقاء، لم يكن الغلاء قد وصل إلى ما هو عليه الآن، وكان الدعم الإنسانى والغذائى يأتى طواعية من كل قادر، لأن ظروف الحياة كانت أرحم».
وواصلت: «غرس رمضان فى نفسى منذ الطفولة حب اللمة والتواصل مع الجميع، وعشقى للطبيعة التى كانت تميز بورسعيد بلونيها الأزرق وهو لون البحر وقناة السويس، أما اللون الثانى فهو الأخضر الذى يكسو حدائقها وأشجارها، أتذكر أننى تعلمت فى هذه الأيام درسى الأول عن الصيام من أمى، حين أخبرتنى أن كل العبادات يراها الناس إلا الصوم، فهو سر بين العبد وربه، شعرت حينها بمسئولية خاصة أمام خالقى، وكنت أحاول أن أقاوم الجوع وروائح الطعام الرمضانى، الكنافة، القطايف، ومهلبية قمر الدين التى كانت مفضلة بالنسبة لى، فجميعها أكلات ارتبطت برمضان، وما زالت رغم تغير الزمن، ويبقى طاجن السمك له مكانة خاصة لدىّ وفى بورسعيد بشكل عام، فهو جزء من هوية المدينة التى لا تعرف قطيعة مع البحر ولا أكلة السمك بكافة أشكالها حتى فى رمضان، حين يتجنب الكثيرون تناول الأسماك خوفاً من العطش أثناء ساعات الصيام، ولكن بعيداً عن الأكل لم تكن اللذة فى الطعام فقط، بل فى اللمة التى تجمع الأقارب والأصدقاء».
وقالت: «قبل أن يسلبنا عالم التليفزيون عذوبة الاستماع، كان الراديو هو سيد ليالى رمضان، أتذكر جيداً صوت الدكتور طه حسين، والشيخ أحمد حسن الباقورى بأحاديثه التى تجسد الوسطية والرحمة، وفكرى أباظة، وغيرهم من عمالقة الفكر والإذاعة، كما أننى تعلقت بالمسلسلات الإذاعية فلا أستطيع نسيان حلقات «ألف ليلة وليلة»، وبابا شارو، وصفية المهندس، وسمية الصاوى، هؤلاء الرواد الذين صنعوا لنا ذاكرة صوتية لا تُمحى مهما مرت السنون، ولكن رغم دخول التليفزيون حياتنا، ظل الراديو الأقرب إلى قلبى». وواصلت: «أخشى مع تطور الحياة اليومية أن تسرقنا أدوات الاتصال والتواصل الحديثة من جمال التراحم والتواصل الحقيقى وصلة الرحم، لذلك فإن دعائى الدائم أن نحافظ جميعنا على اللمة، وأن يبقى رمضان شهراً للدفء الإنسانى بين الناس، وأن نظل نملك كنوز الماضى من محبة وتراحم وقرب من السماء، وعلينا أن نحمد الله على نعمة هذه الذكريات، وعلى كل ما وهبنا الله إياه فى هذا الشهر الفضيل».