مخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتاوى والقضاء حول العالم

كتب: محمد أباظة

مخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتاوى والقضاء حول العالم

مخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتاوى والقضاء حول العالم

فى ظل تسارع وتيرة التطور التكنولوجى أصبح الذكاء الاصطناعى جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، متسللاً إلى مجالات كانت حتى وقت قريب تقتصر على العنصر البشرى. ومن أبرز هذه المجالات المجال الدينى، إذ بات بعض المستخدمين يعتمدون على أدوات مثل «ChatGPT» للحصول على تفسيرات دينية وفتاوى إلكترونية، ومع ذلك يُثير هذا الاستخدام قلق المؤسسات الدينية التى ترى فيه خطراً على المرجعيات التقليدية، نظراً لإمكانية وقوع أخطاء أو تقديم إجابات خارج السياق.

يُعد الذكاء الاصطناعى أداة فعالة لتحليل البيانات بدقة وسرعة، كما يمكن أن يسهم فى تمكين الباحثين من الوصول إلى مصادر الشريعة وتفسير النصوص، لكنه لا يمتلك القدرة على فهم السياقات الدقيقة أو الأخذ بعين الاعتبار التفاصيل الثقافية والدينية، ما يجعل إشراف العنصر البشرى ضرورياً فى مثل هذه القضايا الحساسة.

من جهة أخرى، بدأ الذكاء الاصطناعى يُثبت حضوره فى مجالات العدالة والقضاء. ففى المغرب بدأت وزارة العدل فى إدماج هذه التكنولوجيا داخل المحاكم لتحسين عمل المحامين والقضاة من خلال تسهيل البحث فى النصوص القانونية والاجتهادات القضائية. كما تسعى المملكة إلى إعداد قانون خاص لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعى لتفادى المساس بحقوق الأفراد وحياتهم الشخصية.

أما فى بريطانيا فقد سُمح للقضاة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى كتابة الآراء القانونية والمساعدة فى إصدار الأحكام، مع التحذير من استخدامه فى التحليل القانونى المستقل لتجنب النتائج غير الدقيقة أو المضللة، وقد أثار ذلك جدلاً حول مدى حيادية الذكاء الاصطناعى وإمكانية تأثير الخوارزميات على العدالة.

«يونيسكو» تحذر من الاعتماد الكامل عليه فى المحاكم لتأثيراته السلبية على حقوق الأفراد وحرياتهم

وأشارت منظمة «يونيسكو» إلى أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعى فى المحاكم قد يؤثر سلباً على حقوق الأفراد، لا سيما ما يتعلق بقضاء مستقل وعادل وحق علنية المحاكمة.

مفتى الجمهورية: الإفتاء عملية بشرية بامتياز لا يمكن إدراكها من خلال التقنية الجديدة

وقال الدكتور نظير محمد عياد، مفتى الجمهورية، إن الإفتاء عملية بشرية بامتياز لا يمكن إدراكها بالذكاء الاصطناعى، موضحاً أن هذه التقنيات لا تملك القدرة على الاجتهاد أو إدراك المقاصد الشرعية كما يفعل العلماء، مشدداً على ضرورة أن تكون تحت إشراف جهات دينية موثوقة.

«مؤشر الفتوى» يحلل 300 فتوى حول الذكاء الاصطناعى.. واحتمالية المساهمة فى انتشار «فوضى الفتاوى» كبيرة

وفى تقرير للمؤشر العالمى للفتوى التابع للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، بعنوان «الذكاء الاصطناعى وأثره فى خدمة المجال الدينى وصناعة الفتوى»، قام المرصد بتحليل ما يقرب من 300 مادة من الفتاوى والآراء والدراسات حول الذكاء الاصطناعى فى مختلف النطاقات الجغرافية، وأكد تحليل مؤشر الفتوى لأبرز تأثيرات الذكاء الاصطناعى على المجال الإفتائى بالتحليل الرباعى أن دخول الذكاء الاصطناعى فى العمل الإفتائى قادم لا محالة، ولكنه يظل بحاجة إلى تدخل وإشراف بشرى لضمان توافق الفتاوى مع الأحكام الشرعية الصحيحة والسياقات الدينية والثقافية من خلال عمليتى التصوير والتكييف البشريتين، وذهب إلى تضمُّن ذلك المجال عدداً من نقاط القوة والضعف.

وتتمثل أبرز نقاط القوة فى إمكانية الاستفادة به فى تحسين الأداء والعملية الإنتاجية الإفتائية، وتطوير وتحسين تطبيقات التعلم الدينى الإلكترونى، والترجمة الآلية للنصوص الدينية، وتحليل القرآن وتفسيره بتقنيات معالجة اللغة الطبيعية، وتطوير الخوارزميات لتحليل البنية اللغوية والنحو والعلاقات الدلالية فى الآيات القرآنية وكشف المعانى، وتوسيع نطاق الفتوى وتشعُّب موضوعاتها ومجالاتها والقضايا التى ترتبط بها، لتضم عدداً كبيراً من الأحداث والقضايا الجديدة والمعقدة داخل المجتمعات وكشف علاقتها بالفتوى وكيفية التعامل معها.

أما عن نقاط الضعف فلخصها مؤشر الفتوى فى احتمالية المساهمة فى انتشار السطحية والأمية الفكرية والدينية، والانفصال الفكرى والروحى نتيجة غياب التفاعل بين المفتى والمستفتى، مما سيؤدى لغياب التفاعل الحى وبالتالى الانفصال الفكرى والمشاعرى وعدم إصدار الفتاوى الدقيقة التى تتلاءم مع حال المستفتى والظروف المحيطة، فأخذ العلم لا بد أن يكون على يد شيخ عالم، فضلاً عن احتمالية التأثير السلبى فى تراجُع الذهاب لدور العبادة، وسهولة تعرُّض تلك الآلات للاختراق من قبَل أصحاب الرؤى غير المنضبطة والتنظيمات المتطرفة، والتبعية وعدم الاعتماد على الاجتهاد والبحث والدراسة، وأيضاً تنوع الثقافات بين مؤسسى تلك التقنيات والمجتمعات المسلمة قد يتسبب فى عدد من الإشكاليات الأخلاقية وتحريف المعنى والتحيز وعدم فهم السياق الكامل، وإغفال العوامل الاجتماعية والنفسية للمستفتين، وعدم مراعاة القواعد الأصولية فى الفتوى، واحتمالية المساهمة فى انتشار «فوضى الفتاوى».

فيما حذر الشيخ مظهر شاهين، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، من مغبة الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعى، كـ«شات جى بى تى»، للحصول على إجابات فى المسائل الدينية أو الفقهية، دون الرجوع إلى العلماء والمؤسسات الشرعية الرسمية. وأكد «شاهين» أن هذه الظاهرة، رغم ما تحمله من مزايا، لا تخلو من مخاطر جدية، فمن جهة تُسهِّل التقنية الحديثة الوصول إلى المعلومة وتوفر مساحة آمنة للباحثين، لا سيما الشباب، لطرح أسئلتهم بلا حرج، كما أنها تسهم فى تبسيط المفاهيم الدينية بلغة عصرية مفهومة.

لكن من جهة أخرى شدد على أن الذكاء الاصطناعى ليس فقيهاً ولا مرجعاً شرعياً، بل مجرد أداة تعتمد على قواعد برمجية ومحتوى رقمى متنوع، قد يخلو أحياناً من الدقة، ويختلط فيه الرأى بالحقيقة، والمجاز بالنص الصريح، دون توضيح أو تمييز، موضحاً أن الفتوى الشرعية لا تُستمد فقط من النص، بل من سياق السائل وحاله وملابسات الواقعة، وهى عناصر لا تستطيع التقنية، مهما بلغت، تقديرها أو استيعابها، معتبراً أن تجاهل هذه الاعتبارات يفتح الباب لفوضى معرفية وتشويش دينى قد يضعف من ثقة الشباب فى المرجعيات الدينية المعتمدة.

من جانبه، قال د. محمد حجازى، استشارى التشريعات الرقمية والملكية الفكرية والرئيس السابق للجنة التشريعات بوزارة الاتصالات، إن من الصعب الاعتماد على «شات جى بى تى» فى الحصول على الفتاوى أو المعلومات الدينية، لأن كثيراً من التطبيقات الأجنبية غير معلوم نوعية المعلومات التى تم تدريبها عليها، ولكن يمكن للمؤسسات الدينية الاعتماد على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعى التى تشرف هى بنفسها على تنفيذها بإدخال البيانات إليها بهدف مساعدة الناس، ففى هذه الحالة يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعى بسبب الثقة فى المعلومات الموجودة عليه.

وأضاف «حجازى» أنه حتى فى حالة تنفيذ تطبيقات ذكاء اصطناعى مختصة بالشئون الدينية، يجب أن تكون هناك مراجعة دورية من المختصين على نتائجها؛ لضمان أن الفتاوى أو الآراء الدينية الصادرة من التطبيق صحيحة وليس بها مشكلة، مشيراً إلى أنه إذا لم يتم تدريب التطبيق على يد مختصين ستكون النتائج الصادرة عنه فى منتهى الخطورة، ولا بد أن يكون هناك شخص مختص يراجع النتائج فيما بعد.

وعن استخدامات الذكاء الاصطناعى فى منظومة العدالة، وتجارب بعض الدول الخارجية فى ذلك، أشار استشارى التشريعات الرقمية إلى بعض المحاذير فى هذه المسألة لأن بعض الدول التى تحاول استخدام هذه التنقيات قدرتها الفنية التكنولوجية ليست على المستوى المطلوب، وبالتالى هى تستخدم تطبيقات أجنبية، وحجم التدريب على هذه التطبيقات من خلال البيانات التى تم إدخالها والأحكام وخلافه ليست ضامنة لدقة هذه الأحكام.

وأوضح «حجازى» أنه يمكن استخدام بعض التطبيقات فى البحث وتخليص بعض الأمور، وهو أمر ممكن بشكل جزئى، ولكن الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعى بشكل كلى فى القضايا والأحكام به مشكلة كبيرة، كما أنه قد يصطدم مع قوانين أخرى، لافتاً إلى أن مصر ليس لديها قانون لاستخدامه: «وأنا مش من أنصار يكون فيه قانون للذكاء الاصطناعى حالياً» لأنه حتى عالمياً فعدد دول محدود جداً هى من أصدرت قوانين له، ولكن هناك قوانين أخرى يمكن أن تكون نواة لوجود إطار يحكم هذا الأمر، خاصة فى الأضرار مثل تزييف الصور والفيديوهات وهى أمور يعاقب عليها بموجب قانون مكافحة تقنية المعلومات، واستخدام البيانات الشخصية مجرَّم أيضاً بموجب قانون حماية البيانات.


مواضيع متعلقة