خالد منتصر يكتب: القراءة المقاصدية للنص الديني

كتب: عمرو هلال

خالد منتصر يكتب: القراءة المقاصدية للنص الديني

خالد منتصر يكتب: القراءة المقاصدية للنص الديني

القراءة المقاصدية للقرآن تعني فهم النص القرآني وتفسيره بناءً على مقاصده الكبرى، أي الغايات العليا التي يرمي إليها، مثل تحقيق العدل، والرحمة، والحرية، وحفظ النفس، والعقل، والدين، والمال، والنسل.

بمعنى آخر، لا يقتصر المفسر على ظاهر النصوص فقط، بل يبحث عن الهدف العام الذي يخدمه النص، ويحاول أن يفهم الآيات في ضوء هذا الهدف، خاصة إذا تغير الزمان والمكان والظروف، فلو وُجدت آية تتحدث عن حكم معين كان يناسب مجتمعاً قديماً، القراءة المقاصدية قد تسأل: ما الهدف من هذا الحكم؟، ثم كيف نحقق هذا الهدف في زماننا؟، وليس مجرد تطبيق النص بحرفيته بغضِّ النظر عن تغيُّر السياق، من أشهر من دعا إلى القراءة المقاصدية الإمام الشاطبي، هو إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت. 790 هـ/ 1388م)، عاش في الأندلس (غرناطة)، عالم في أصول الفقه واللغة، أشهر كتبه الموافقات (في أصول الشريعة).

ومن أبرز آراء الشاطبي:

1- الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس، الشريعة كلها (عبادات، معاملات، حدود) هدفها جلب المصالح ودرء المفاسد، كل حكم يجب أن يُفهم بناءً على مصلحته الكبرى، لا مجرد شكله الخارجي.

2- وجود مقاصد كلية للشريعة، «الشاطبي» حدد 5 مقاصد أساسية للشريعة (مشهورات حتى اليوم)، وهي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، حفظ النسل، وكل حكم شرعي يدور حول حماية واحد أو أكثر من هذه الأمور.

3- فهم النصوص يحتاج إلى فهم الكليات لا الجزئيات فقط، لا يجب تفسير الآية أو الحديث بشكل منعزل، بل يجب ربطه بهدف الشريعة العام ومراعاة الظروف.

4- التيسير وعدم المشقة، الشريعة مبنية على التخفيف ورفع الحرج، لذلك إذا تسبَّب تطبيق حكم بطريقة حرفية فى ظلم أو مشقة عظيمة، يجب إعادة النظر وفق المقاصد.

5- تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال، الفتوى ليست جامدة، إذا تغيرت الظروف أو البيئات بحيث تغيرت المصلحة، يجب أن تتغير الفتوى بما يحقق مقاصد الشريعة.

6- سد الذرائع، لو أن فعلاً مباحاً قد يؤدي إلى مفسدة كبيرة، يمكن منعه حمايةً للمصلحة الكبرى.

إذن «الشاطبي» جعل فهم الشريعة ديناميكياً، فقال نلتزم بالنصوص، لكن نحافظ على الغايات الكبرى، ونتكيف مع الواقع بما يحقق تلك الغايات، ولا يختلف ما قاله الشاطبى عما يقوله د. سعد الهلالى حالياً، وهناك أمثلة واضحة على القراءة المقاصدية للقرآن، ومنها ما هو مطبق فعلاً بناء على هذه القراءة المقاصدية، ومنها ما طُرح كثيراً، مثل قراءة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة: 38)، القراءة الحرفية هي تطبيق القطع الجسدي لليد دائماً، القراءة المقاصدية تسأل: ما مقصد الآية، الجواب: حفظ الأموال، وردع السرقة، إذاً قد يرى بعض الفقهاء العصريين أن في بعض الظروف (كأنظمة السجون الحديثة أو الإصلاح الاجتماعي)، يمكن تحقيق نفس المقصد بدون قطع، عبر عقوبات أخرى تحقق الردع والإصلاح، وبالمثل آيات الجهاد، {وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} (البقرة: 190)، القراءة الحرفية: القتال أمر دائم، القراءة المقاصدية تسأل: ما الهدف من القتال؟، الجواب: دفع الاعتداء، حماية الدين والأنفس، إذاً حيث توجد وسائل سلمية لتحقيق هذه الحماية (القانون الدولى مثلاً)، لا يكون القتال هو الخيار الأول.

وشهادة المرأة أمام القضاء، {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (البقرة: 282)، القراءة الحرفية: شهادة امرأتين بدل رجل، القراءة المقاصدية تبحث: ما الغاية، الغاية هي توثيق الديون بدقة زمن قلة تعليم النساء، إذاً في زمن تساوت فيه فرص التعليم، يجوز قبول شهادة المرأة منفردة كالرجل، وهكذا تنقذنا القراءة المقاصدية من الوقوع في فخ القراءة الحرفية المحنطة.