مصطفى حمد يكتب: وداعا إيهاب صابر.. هكذا تكلمت موسيقاه

كتب: عمرو هلال

مصطفى حمد يكتب: وداعا إيهاب صابر.. هكذا تكلمت موسيقاه

مصطفى حمد يكتب: وداعا إيهاب صابر.. هكذا تكلمت موسيقاه

في أرض الذهب بجنوب مصر تفتحت عيناه، فكان نصيبه من النيل طيبته وعطاءه، ومن زرقة السماء، الوضوح والصفاء، ومن النخيل، جذور الأصالة التي لا تعرف سوى الإخلاص، ومن نسمات الليل الحانية، الوداعة والطفولة البكر، صفاتٌ شكّلت هالة حول شخصيته النبيلة، وتركت لمسة من روحه داخل كل قلب غازلته موسيقاه التي عزفت طيلة حياته لحن مقولة جلال الدين الرومي «ما لمس الحب شيئاً إلا وجعله مقدساً».

كان إيهاب صابر «حُباً» يمشى على الأرض، أحبّ الناس والشعر والصحافة والموسيقى والشوارع والوطن، فأحبّته القلوب والأغانى والبشاشة التي لم تفارق وجهه منذ أن أتى من أقاصي الجنوب باحثاً عن مجازات الحقيقة في قلب المدينة، فلم تخدره البهارج الخادعة، ولم يجرفه تيار المخادعين، فصار قلباً مطمئناً يناغي السلام في ترديد قصائد أمل دنقل وسماع حواديت محمد منير والرجاء بتحقيق حلم عبدالرحيم منصور بأن «يهوّن الليل غربتنا».

الصفحة الأخيرة في حياة الكاتب الصحفي إيهاب صابر، نائب مدير تحرير جريدة «الوطن»، ملأ نصفها بنفسه بمداد من المقاومة لمرض لعين حتى استراح ليعود كما كان طفلاً في عالم أرحب، وآخرها لم يمهله القدر ليرى كم المحبة في الله التي طوّقت القلوب بعد معرفة رحيله، وكأن هناك سراً اتفق عليه الجميع ليكون وداعه بحفاوة لم يوقفها سوى يقين بذهابه إلى مكان أفضل مبتسماً فيه كعادته، بشوشاً كعهدنا به في «مشوار اسمه حياة».

رحل إيهاب صابر وافتقدناه، وبقيت مهنيته، وأخلاقه وابتسامته التي تركت أثراً لا يزول مع الأيام، فلم يغضب منه أحد يوماً، عاش كنسيم ليلة ربيعية لا يعكرها أي منغّص، قلبٌ طاهر مخلص لمهنته أحبها فأحبته، عمل على تطوير نفسه علمياً وعملياً، وساعد كل من حوله؛ ليكون من القلائل الذين حفروا اسمهم بحروف من نور في بلاط صاحبة الجلالة، تنقّل بين عدد من الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية تاركاً بصمة في كل مكان عمل به، وكان مسك ختام مسيرته في جريدة «الوطن»، إذ أحدث نقلة من التطوير بمختلف أشكال الكتابة الصحفية.

كانت كتاباته على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) تنبض بحب الحياة، وتستفظع أعداءها، تدوينات كلها شعور فطري تجاه المحبة والنقاء وحلم الجنوبي الذي لخّصه أمل دنقل حين قال: فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه يشتهي أن يلاقي اثنتين: الحقيقة والأوجه الغائبة.

«إيهاب» اشتهى قدسية الموسيقى فكانت حياته سيمفونية أطربت ألحانُها كلَّ من قابله، فأيقن لغتها، وانعكست على كتاباته التي عنونها «أنا إنسان وعنواني بلاد الدهب»، وحمّلها قضاياه «أقسمت بالحرية.. وعدالة القضية.. القدس عربية.. لآخر يوم حياة»، وهمومه «خوف خلانا وإحنا مغمضين بنشوف»، وتساؤلاته: «يا غربة العصافير في مداين الأسمنت»، ومرثيته «أنا بعت الدموع والعمر طرحت جنايني في الربيع الصبر»، ورسالته: «تذكر دائماً أن في كل نَفَسٍ تتنفسه فرصة جديدة للسعادة والتمتع بالحياة. ابتسم، فأنت تستحق كل لحظة جميلة تأتيك».