تطبيقات التعارف تحطم أحلام الضحايا.. «طارق» خسر 5 ملايين جنيه و«مي» تعرضت للابتزاز

كتب: أنس سعد

تطبيقات التعارف تحطم أحلام الضحايا.. «طارق» خسر 5 ملايين جنيه و«مي» تعرضت للابتزاز

تطبيقات التعارف تحطم أحلام الضحايا.. «طارق» خسر 5 ملايين جنيه و«مي» تعرضت للابتزاز

كتب: أنس سعد

في ليلة شتوية من شهر يناير، وبينما كان طارق محمد يتصفح هاتفه قبل النوم بعد عودته إلى منزله، قاده فضوله إلى تحميل تطبيق تعارف جديد، لم يدرِ أن هذه الخطوة البسيطة ستنتهي بكارثة مالية، حيث خسر ثروة تقدر بنحو 5.5 مليون جنيه، فما الذي حدث؟

في السنوات الأخيرة، تحولت بعض التطبيقات الذكية من وسائل للتعارف والتسلية، إلى أبواب مفتوحة للابتزاز الإلكتروني، وقع ضحيته شباب وفتيات، تعرضوا لحيل متقنة تبدأ بمحادثة عادية، وتنتهي بفضيحة أو طلبات مالية.

«طارق» يخسر ثروة طائلة بسبب تطبيقات التعارف

بعد أيام قليلة من دخول «طارق» على أحد تطبيقات التعارف، تبادل الحديث مع سيدة أجنبية، ادعت أنها ألمانية، عبرت له عن إعجابها به وانتقلا إلى الحديث عبر واتساب، مستخدمين ترجمة جوجل، ويمر يوم تلو الآخر، وعلاقتهما تكبر، حتى فوجئ في أحد الأيام بالسيدة تتحدث معه، وتخبره أنها على سرير المرض بعد إصابتها بالسرطان، وتقترب حياتها من الانتهاء.

الابتزاز

ادعت السيدة الألمانية خلال حديثها مع «طارق»، أنها تمتلك ثروة طائلة دون وريث، فاقترحت عليه أن يأخذ التركة ويتصرف فيها، وأعطته رقم هاتف شخص ليتواصل معه ويساعده في إنهاء إجراءات نقل الأموال من ألمانيا إلى مصر.

بعد تواصله مع الشاب، أخبره بضرورة تحويل مبلغ مالي قدره 25 ألف جنيه، لإنهاء إجراءات تتعلق بنقل الأموال، وبعد أيام قليلة، طلب الشاب مبلغ آخر بقيمة 75 ألف جنيه، وحين يعود للتواصل مع السيدة الألمانية، تخبره بمرضها الشديد، وضرورة التواصل مع الشاب لإنهاء الإجراءات.

140 تحويل على خدمة كاش

لكن بعد مرور أسابيع قليلة، وتحديدا في شهر فبراير الماضي، وجد «طارق» نفسه خاسرا 5 ملايين ونصف المليون، من خلال 140 تحويل على 34 رقم في خدمة خدمة كاش، ليكتشف أنه تعرض لعملية نصب ممنهجة، عن طريق تطبيقات التعارف والمواعدة، وفقا لحديثه مع «الوطن».

لم يكن «طارق» الضحية الوحيدة، بل هناك حكاية أخرى حدثت العام الماضي، منها لفتاة عمرها 22 عاما، تدعى مي محمد، تعرفت على شاب عبر تطبيقات المواعدة، وتبادلا الحديث معا، وتطور الأمر من محادثات عبر مواقع التواصل، إلى مقابلات على أرض الواقع، ودفعها حبها له إلى الوثوق به، وإرسال صور خاصة، وفقا لحديث الفتاة مع «الوطن».

علاقة «مي» تتحول إلى تهديد والنهاية 15 سنة سجن للمبتز

دامت علاقة «مي» والشاب 3 أشهر، حتى فوجئت بابتزازه وتهديده لها، طالبا منها القيام بأعمال غير مشروعة، لكنها لم ترضخ لطلباته، وأبلغت الجهات المختصة، التي ألقت القبض عليه، وحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما منذ 6 أشهر، بتهمة التهديد المصحوب بطلب.

محمود فتحي الأمير، المحامي المتخصص في الجرائم الإلكترونية وخاصة الابتزاز والتهديد الإلكتروني، يقول لـ«الوطن»، إنه يعمل في هذا التخصص منذ عام 2018، وكل شهر يتلقى 15 بلاغا، من شباب وفتيات تعرضوا للابتزاز، و50% منها، يرغب المبتز في نيل الأموال، موضحا أن العقوبة القانونية تصل في بعض القضايا إلى جناية، لو كانت التهمة مصحوبة بطلب أو تهديد، وتصل الغرامة إلى 300 ألف جنيه.

وأكد «الأمير» أنه على مدار 7 سنوات، ترافع عن عشرات الضحايا، الذين تواصلوا معه لتقديم بلاغات عن المبتزين، مضيفا أن معظمهم يتعرض للابتزاز عن طريق تطبيقات المواعدة ومواقع التواصل الاجتماعي.

خبير أمن معلومات: الخطأ البشري يمثل 91% من جميع عمليات الاختراق

المهندس يوسف طارق، خبير أمن المعلومات، ومدير المجتمع الإقليمي بإحدى الشركات المتخصصة في الأمن السيبراني، قال في حديثه لـ«الوطن»، أن هناك 91% من عمليات الاخترق التي ينتج عنها الإبتزاز، تقع بسبب الأخطاء البشرية التي يقوم بها الضحايا، مضيفًا: «فيه أبلكيشن مجرد ما حد يسجل عليه بياخد صالحيات الوصول للجهاز، فبيقدر ياخد صوت وصورة بدون ما يكون الضحية عارف، ويبدأ بعدها يبتزه، وفي تطبيقات تانية بتطلع اعلانات ولما تدوس عليه بيقدر الهاكر يتحكم في جهازك».

المهندس يوسف طارق

ينصح خبير أمن المعلومات، بعدم إرسال صور أو فيديوهات عبر تطبيقات التعارف والمواعدة، بالإضافة إلى عدم الدخول على روابط غريبة، أو تطبيقات غير موثوق بها، أو محاولة تحميل الألعاب المدفوعة بطرق مجانية، وعند التعرض للابتزاز، يجب التواصل مع مباحث الإنترنت عبر الخط الساخن والموقع الرسمي.

المادة 327 في قانون العقوبات المصري، تنص على أن كل من «هدد غيره كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال أو بإفشاء أمور أو نسبة أمور تخدش الشرف، يعاقب عليها بالسجن وتنخفض إلى الحبس إذا لم يكن التهديد مصحوبا بطلب مادي»، كما أن تهديد شخص لآخر بجريمة ضد النفس تصل عقوبتها إلى السجن مدة لا تتجاوز 3 سنوات، إذا لم يكن التهديد مصحوبًا بطلب أموال، أما اذا كان مصحوبا بطلب مال، فقد تصل العقوبة للحبس 7 سنوات، ووضع المشرع وضع عقوبات الحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات والغرامة 300 ألف جنيه للاعتداء على القيم الأسرية.

إحصائيات عن وقائع الابتزاز الإلكتروني في 2024

وفقا لتقرير إحصائي تم إجراؤه على وقائع الابتزاز الإلكتروني في عام 2024 لموقع «صوت لدعم حقوق المرأة»، فإن هناك 5% من حوادث الابتزاز والإكراه الجنسي الإلكتروني، ابتز فيها الجناة أكثر من فتاة، كما أن هناك 5% من الحالات التي تعرضن للابتزاز الإلكتروني، أنهين حياتهن خوفا من الفضيحة والضغط النفسي، كما توصلت نتائج التقرير إلى أن هناك 45% من عدد الضحايا الناجيات، اللاتي تعرضن للابتزاز الإلكتروني، كانوا في مرحلة المراهقة.

إحصائية

وتوصلت نتائج التقرير إلى أن 30% من حوادث الابتزاز الإلكتروني ضد النساء في النصف الأول من 2024، بغرض التحصل على مبلغ مالي، بينما 30% من الحوادث كان لغرض ذات طبيعة جنسية، واتضح أن هناك 20% من حوادث الابتزاز والإكراه الجنسي الإلكتروني، تمت عن طريق تطبيق واتساب، بينما 15% من الجرائم كانت عن طريق «فيسبوك»، و25% من الجرائم كان عن طريق التحصل على الصور المخلة للضحايا عبر الهاتف المحمول.

الخبير الأمني اللواء أحمد الطاهر: الاستدراج الإلكتروني ظاهرة خطيرة

قال اللواء أحمد طاهر، الخبير الأمني اللواء ومدير إدارة المكافحة الدولية لجرائم الاتجار بالنساء والجرائم الالكترونية سابقا، خلال حديثه لـ«الوطن»، أن الانتشار العشوائي المصاحب للتطور التكنولوجي المتسارع في ظل الجهل الإلكتروني، أدى إلى وجود ظاهرة اجتماعية خطيرة هددت بالفعل الكثير من البيوت المصرية، وطالت كل الأعمار دون استثناء، وهي ظاهره الاستدراج الإلكتروني، التي يمكن تعريفها بأنها عملية احتيال أو استغلال تتم عبر الإنترنت، من خلال عمليه بسيطة تسمى الهندسة الاجتماعيه للضحايا.

اللواء أحمد طاهر

وأكد الخبير أن عمليات الاستدراج الإلكتروني والاحتيال، تتم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الدردشة، التي تعد من أخطر المصائد البشرية التي تنتهك كرامة وخصوصية الضحايا، وعادة ما تكون أهداف الاستدراج الإلكتروني هدف الحصول علي منفعة جنسية أو مالية.

طرق يستخدمها المبتزون للإيقاع بالضحايا

وتحدث اللواء أحمد طاهر عن الطرق التي يستخدمها المبتزون للإيقاع بالضحايا، موضحا أن المبتز يبني علاقات صداقة وهمية تنمو مع مرور الوقت، حتى يكسب ثقه الشخص الواقع تحت فعل الابتزاز، ويسهل اختراقه والتملك من مفاتيح شخصيته، وإعطاء الآمان وتبادل الصور والمحادثات والتسجيلات الصوتية، وفي الوقت ذاته يجمع المبتز البيانات اللازمة حول الأشخاص القريبين من الضحية، مثل الأهل والأصدقاء والمعارف، ليستخدمهم كورقة ضغط عندما يأخذ قرار ذبح الشخص الواقع تحت فعل الابتزاز.

وأكد «طاهر» أن بعض المبتزين يقدمون عروضا مغرية مثل الوظائف أو المكافآت لجذب الضحايا، وآخرون يهددون الضحايا بنشر معلومات شخصية أو صور إذا لم ينفذوا طلباتهم.

نصائح لعدم الوقوع في فخ الابتزاز

وقدم «طاهر» العديد من النصائح التي يجب اتباعها لعدم التعرض للابتزاز، محذرا الجميع خاصة الفتيات والنساء والأطفال، من استخدام أو نشر الصور الشخصية، وعدم تمكين أحد من اختراق حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، واقتصارها فقط على الأهل والأصدقاء الموثوق فيهم تماما، والحد من العلاقات ونشر المعلومات الشخصية والمناسبات العامة.

وأكد «طاهر» أن بعض المبتزين يقدمون عروضا مغرية مثل الوظائف أو المكافآت لجذب الضحايا، وآخرون يهددون الضحايا بنشر معلومات شخصية أو صور إذا لم ينفذوا طلباتهم.

مبادرة «قاوم» ودورها في مكافحة ابتزاز تطبيقات التعارف

خلال الأشهر الماضية، تلقى محمد اليماني، مؤسس مبادرة «قاوم» لمكافحة الابتزاز الإلكتروني، عشرات الاستغاثات لحالات تعرضت للابتزاز من خلال تطبيقات التعارف، سواءً كانوا شباب أو فتيات، حتى قرر تحميل أحدها والدخول عليها، ليجد رسائل عدة من حسابات لفتيات تريد التحدث معه.

يحكي «اليماني» لـ«الوطن»، أنه قرر الدخول لأحد برامج التعارف، بعد زيادة أعداد حالات الابتزاز، ليعرف كيف استدراج الضحايا، مضيفا: «لما نزلت التطبيق لقيت بنات كتير بتبعت من غير ما اتكلم، وكلها غرف صوتية وعلشان أدخلها لازم أدفع فلوس الأول».

قد يدخل البعض تطبيقات المواعدة بهدف الزواج، لكن ينتهي الأمر بالابتزاز، مثل قصة إحدى الحالات التي استغاثت بمؤسسة «قاوم» لمساعدتها، فتلك السيدة تواصلت مع شاب على تطبيق خاص بالزواج، وبعد تبادل الرسائل بينهما، طلب منها إرسال صورة شخصية، وفور إرسالها هددها لتدفع له أموالا مقابل ألا يفضحها، وفقا لحديث «اليماني».

محمد اليماني

كيف تساعد مبادرة قاوم ضحاياها؟

حين يلجأ الضحايا إلى «قاوم»، يتخذ المتطوعون في المؤسسة بعض الإجراءات، مثل التأكد من صحة الواقعة، وكشف الجرائم المرتكبة، ودعم الضحية وتهدئتها، وإقناعها بضرورة إبلاغ الجهات المختصة، قبل أن يجري تتبع الجاني في المكان تواجده.

وتطرق «اليماني» في الحديث عن التطبيقات والبرامج الإلكترونية، كونها أكثر طريقة شائعة لابتزاز الشباب والفتيات، إذ يقع الضحية في مصيدة المبتز، من خلال مكالمات الفيديو، موضحا: «البنت اللي بتتواصل مع الشاب في برامج المواعدة، بتستدرجه لحد ما تكلمه فيديو، لكن مبتظهرش فيه بحجة إنها مكسوفة، وبعدها بيتم تصوير المكالمة بغرض ابتزاز الشاب، علشان كده إحنا دايما بنوعي الناس إنهم ميستخدموش البرامج دي، لأنها ممكن تتسبب في تعرضهم للابتزاز».


مواضيع متعلقة