استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية.. سرقة أم «علم»؟

كتب: كريم روماني

استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية.. سرقة أم «علم»؟

استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل العلمية.. سرقة أم «علم»؟

كتب - كريم روماني:

ظهرت في الآونة الأخيرة آلية جديدة تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الرسائل العلمية، ومع تنقل الباحث بين روابط المجلات العلمية والدوريات، ظهرت تطبيقات رقمية تحقق طموحات الباحثين بطريقة أسهل وأكثر يسرًا، محملة بالكثير من المزايا، لكن من جهة أخرى، تثير هذه التطبيقات العديد من التساؤلات حول سلبياتها، فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُنتج علما ينتفع به؟

تجارب واقعية

لجأ محمد البحراوي، إلى استخدام «شات جي بي تي» في الحصول على بعض المعلومات لإعداد خطته البحثية في مجال الإعلام للتقديم للسيمنار العلمي الخاص بالباحثين في الدكتوراه، وما أن وصل إلى كم كبير من المعلومات فرح قليلاً، إلا أنه سرعان ما وجد أنها معلومات تحتاج إلى تدقيق كبير، خاصة وأنها غير مُطابقة للواقع، حسب روايته لـ«الوطن».

م

نفس التجربة، أجراها الدكتور هاني كمال، الطبيب بالمعهد القومي للأورام، أثناء إعداده بحثا علميا خاص بسرطان الثدي، إذ بحث عن جينات لها دور في العلاج، ومنحه «شات جي بي تي» و«ديب سيك» كل الجينات الخاصة بسرطان الثدي بالمراجع العلمية لها، إلا أنه وجد هناك لغط كبير في بعض المراجع أو بالأدق عدم وجودها على أرض الواقع، إذ يصعب الوصول إليها.

مزايا وسلبيات استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي

عدد الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا، مزايا وسلبيات استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، موضحا أن المزايا تتمثل في البحث عن المصادر بطريقة أكفأ لدرجة تمكين الباحث من الوصول إلى أبحاث علمية صعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، والتدقيق اللغوي والوصول إلى أفكار بحثية جديدة وأخيراً إجراء تجارب معملية.

أما بالنسبة للسلبيات والتي حذر منها نائب رئيس جامعة القاهرة في حديثه لـ«الوطن»، فتتمثل في الانتحال الأكاديمي، مؤكدا هذه الحالة يصل إليها الباحث عند كتابة رسالة أو بحث كامل من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي: «وهذه السلبية جرى رصدها بالفعل في الفترات الماضية»، مشددا على ضرورة استخدام التطبيقات الرقمية في الحدود المعقولة والأساليب المشروعة.

لا يتوفر وصف للصورة.

توجيه مُهم كشف عنه الدكتور محمود السعيد، يتمثل في ضرورة الإشارة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في البحث أو الرسالة العلمية وتحديد الجزئية التي جرى استخدمها فيها، حتى يتمكن المُحكم من معرفة هذه النقطة بشكل جيد من قبيل الأمانة العلمية.

رسائل وخطط مكتوبة بالذكاء الاصطناعي

أثناء مناقشة الدكتورة نسرين حسام الدين، أستاذ الإعلام بجامعة بني سويف، لطالبة في خطتها البحثية، وجدت إعداد نسبة كبيرة من الخطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من خلال عدم ترابط الفقرات وعناصر الخطة كاملة: «وجهت الباحثة بضرورة وضع بصمتها البحثية البشرية وعدم إغفالها»، مؤكدة أن هذه الآلية تخلق باحثا لا يحمل رؤية علمية حال الاعتماد عليها فقط.

جوانب مُهمة اكتشفها «نسرين» أثناء عقد سيمنار علمي ومناقشة الخطط البحثية المطروحة خلالها، في هذه المسألة، مسترشدة بفكرة كتابة الدراسات السابقة في الخطة: «دائما ما نذكر اسم الباحث وسنة النشر وأداة ومنهج ونتيجة الدراسة.. أما تطبيقات الذكاء الاصطناعي لها آلية مختلفة تماما عن الأساليب المعروفة»، مؤكدة: «تحس إنه فيه نقل آلي للأشياء حتى أساليب التوثيق في بعض الأحيان».

تكتشف الدكتورة نسرين حسام الدين، كل هذه الأمور بالخبرة الأكاديمية وليس ببرامج تقنية، موضحة أن العنصر البشري في البحث العلمي ضروري للغاية ولا يُمكن إغفاله، لافته إلى تجربتها الشخصية في استخدامه: «استخدمت شات جي بي تي ووصلني بمراجع لا وجود لها على أرض الواقع».

الدكتورة فاطمة فايز، رئيس قسم الصحافة السابق وأستاذ الإعلام الرقمي المساعد بكلية الإعلام جامعة بني سويف، حددت تفاصيل الاستخدامات للتقنيات الرقمية في إعداد الرسائل العلمية، موضحة أن استخدام الأدوات الجديدة ضرورة ولكن لابد أن يستخدم بدقة، وهناك تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل «شات جي بي تي وديب سيك وجيمناي» وهناك محركات بحث للذكاء الاصطناعي تمكن من الحصول على الدراسات السابقة سواء رسائل أو بحوث علمية وتساعد في الجمع والتحليل والتعليق على الدراسات السابقة.

لا يتوفر وصف للصورة.

أما تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تعمل وفق «فاطمة» على إعادة صياغة المحتوى وتحسينه وتحليله ويؤخذ في الاعتبار عند استخدامها أنها لا تولد أطروحة علمية كونها مضللة وغير دقيقة: «لازم طول الوقت يكون فيه إعمال للعقل البشري بجانب الذكاء الاصطناعي».

ترى أستاذ الإعلام الرقمي، أن حوكمة الذكاء الاصطناعي، أمر شديد التعقيد على مستوى المطورين والانتماءات السياسية للشركات التي تنتمي لها الدول المُصنعة: «هيفضل فيه تحيز بيانات وخوارزميات».

موقف القطاع الطبي

أما بالنسبة للقطاع الطبي، أكد الدكتور محمد صلاح البدري، أستاذ جراحة المسالك البولية وعضو مجلس الشيوخ المصري، أنه لم يظهر بكثرة استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل الطبية، لأنها قائمة على أبحاث تُجرى على مرضى ومعظمها إحصائية، مؤكدا: «الذكاء الاصطناعي يدخل معانا فقط في النماذج الإحصائية الوهمية أي نفترض انتشار وباء مُعين ونُعطي الذكاء الاصطناعي بيانات محددة ويمنحنا نموذجاً إحصائياً».

واختتم «البدري» حديثه قائلاً: «أيام كورونا اتعمل أكثر من بحث باستخدام الذكاء الاصطناعي في إشارة للمرض من حيث شكله ومعدل انتشاره ومعظمها غير دقيقة ورغم ذلك اُعترف بها عالمية كون الأمر مُتعلق بحالة أوبئة».

أخلاقيات لاستخدام الذكاء الاصطناعي

هناك مجموعة من الأخلاقيات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال البحث العلمي، حددها الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة جامعة المنيا، نائب رئيس اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا، اليونسكو باريس، موضحا أن التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي أصدرتها اليونسكو نوفمبر 2021 والتي وافقت عليها الدول الأعضاء في اليونسكو تُعد أهم الوثائق في مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لشموليتها ومحاولتها وضع أسس أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في شتى مجالات الحياة، ولقد اهتمت بشكل خاص بتوصيات خاصة بتقنين استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التربية والتعليم والبحث العلمي.

وفق «درويش»، أوصت بداية الدول الأعضاء بضرورة التعاون مع المنظمات الدولية والمؤسسات التعليمية لتوفير ما يكفي من سبل التعليم التي تتيح اكتساب الدراية بالذكاء الاصطناعي لعامة الناس بكل المستويات لجميع الناس والحد من الفجوات الرقمية الناجمة عن الأخذ بنظم الذكاء الاصطناعي، وذلك حتى يستفيد سائر مواطني البلد من مهارات الذكاء الاصطناعي دون تمييز، وأن على الدول أن تساعد كل مواطنيها على اكتساب المهارات الأساسية اللازمة لتعليم معارف الذكاء الاصطناعي، كذلك على الدول أن تهتم ببرامج التوعية العامة بتطورات ومستجدات الذكاء الاصطناعي والفرص التي تتيحها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وفي الوقت نفسه عواقب استخداماتها الضارة.

لا يتوفر وصف للصورة.

التقدم الهائل والمتسارع لبرامج الذكاء الاصطناعي أدى إلى جعل إمكانيات الذكاء الاصطناعي هائلة، حسب وصف الدكتور بهاء درويش: «هناك منظمات تعمل على مهمة الوصول إلى قواعد أخلاقية عامة للبحث العلمي والنشر يتم الاتفاق عليها دولياً مثل لجنة أخلاقيات النشر Committee of Publication Ethics وتكمن ضرورة هذه القواعد في أن الذكاء الاصطناعي يمكنه فبركة جزء من البحث أو بحث كامل، بينما ما قدمه في الحقيقة لا يمت بصلة للبحث العلمي. ولقد نشأت على مستوى العالم تجارة كاملة في هذا الشأن بحيث أضحت هناك شركات متخصصة في فبركة الأبحاث وبيعها وارسالها لمجلات علمية.

وختاما شدد «درويش» على الباحث أن يستخدم الذكاء الاصطناعي استخداما مسؤولا، ما يعني ضرورة مراجعة الباحث لكل المعلومات المستخدمة من برامج الذكاء الاصطناعي مراجعة دقيقة لاستبعاد إمكانية الخطأ، وأن يراجع نسب الأفكار إلى أصحابها لتحقيق الأمانة العلمية، وأن يتأكد من المراجع التي قد يكون اعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي للتأكد أنها مراجع حقيقية، ولم يقم برنامج الذكاء الاصطناعي بفبركتها، كذلك يجب أن يراجع اللغة التي كتب بها البحث ليتأكد أنها ترقى لمستوى المجلة التي ستنشر فيها.