محمد عبد الحافظ يكتب: الـ«لا» الثانية للإعفاء من رسوم «القنال»
محمد عبد الحافظ يكتب: الـ«لا» الثانية للإعفاء من رسوم «القنال»
وأنا أقلِّب صفحات التاريخ وقعت عينى على أبرز أحداث القرن التاسع عشر، فوجدت أن الحدث العالمى فى هذا القرن هو حفر قناة السويس التى بدأ حفرها فى أبريل 1859 وتم افتتاحها 1869، فى احتفال عالمى حضره ملوك ورؤساء العالم، ليشهدوا تدشين أهم ممر ملاحى فى العالم يربط ما بين البحرين الأحمر والمتوسط.
ووقت أن كانت مصر تحفر أكبر وأهم ممر ملاحى فى العالم بسواعد مليون عامل مات منهم 120 ألفاً أثناء عمليات الحفر، كانت تترنح الولايات المتحدة الأمريكية من جراء حرب أهلية طاحنة قتل فيها الأمريكيون بعضهم البعض، وخلَّفت هذه الحرب -التى استمرت 4 سنوات- ما يقرب من 720 ألف قتيل، وهو رقم أكبر من ضحاياها فى الحرب العالمية، ورفضت وقتها الولايات المتحدة وإنجلترا وروسيا والنمسا شراء أسهم فى الشركة العالمية لقناة السويس، مما دفع مصر إلى الاستدانة لشراء هذه الأسهم لاستكمال المشروع الذى يخدم العالم!
وتاريخ (القنال) -كما يحب أن يطلق عليها أهالى السويس والإسماعيلية وبورسعيد- حافل بأحداث لسنا بصدد الحديث عنها الآن، بدءاً من التأميم عام 1956، وقيام مصر بدفع كل حقوق المساهمين حتى قبل موعد ردها المقرر فى عام 1968، وتوقف الملاحة بها بعد العبور العظيم فى 1973، وإغلاقها وتطهيرها وإعادة افتتاحها.. ومعجزة حفر القناة الجديدة فى 2015، حيث تحدى المصريون التحدى فى قصر مدة الحفر التى لم تستغرق سوى عامين والتكاليف، حيث إنها تمت بتمويل مصرى خالص دون أى قرش قرض، وبسواعد وخبرة مصرية 100%.
الذين يعرفون القراءة يعلمون تاريخ القنال، والذين لا يعرفون ولهم آذان يعلمون، أما الأميون والمصابون بالصمم ولهم أعين يبصرون بها فيعلمون تاريخ القنال.. أما الأميون والأصماء والعميان فلا طريقة لتعريفهم بتاريخ القناة وسيظلون صماً بكماً عمياً حتى يموتوا.
نسيت أن أذكر لكم أن المرور فى القنال تحكمه اتفاقية القسطنطينية الموقعة عام 1888 وسأشير فى عجالة إلى 3 مواد فقط من إجمالى 17 مادة تحويها الاتفاقية:
تظل قناة السويس البحرية بصفة دائمة حرة ومفتوحة فى زمن السلم كما فى زمن الحرب لجميع السفن التجارية والحربية بدون تمييز بين جنسياتها.وبناء على ذلك فقد اتفقت الدول العظمى المتعاقدة على عدم إلحاق أى مساس بحرية استعمال القناة، سواء فى زمن السلم أو فى زمن الحرب. ولن تكون القناة خاضعة مطلقاً لاستعمال حق الحصار البحرى.
- إن الدول العظمى المتعاقدة، تطبيقاً لمبدأ المساواة الخاص بحرية استعمال القناة، ذلك المبدأ الذى يُعتبر إحدى دعائم المعاهدة، قد اتفقت على أنه لا يجوز لإحداها الحصول على مزايا إقليمية أو تجارية أو امتيازات فى الاتفاقات الدولية التى تُبرَم مستقبلاً فى ما يتعلق بالقناة!
- اتفقت الدول العظمى المتعاقدة بأن التعهدات المبيَّنة فى هذه المعاهدة غير محددة بمدة الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس العالمية.
هذه اتفاقية دولية لا يجوز إلغاؤها أو المساس بها وملزمة لكل دول العالم.. وبالمناسبة الدول العظمى الموقعة على هذه الاتفاقية لم يكن من بينها الوليات المتحدة لأنها لم تكن عظمى وقتها، وكانت من الدول المتحررة حديثاً من الاحتلال البريطانى!
الكاشف مما سبق أن ما يطالب به الرئيس الأمريكى ترامب «أوهام» وتدخُّل فى السيادة المصرية، وليس من حقه أن يضع عينه على ما تملكه مصر، لا أرض ولا ممرات مائية ولا حتى على حبة رمل، فقد ولى عهد الاستعمار، وإذا كان ترامب قد نجح فى فرض هيمنته على دول أخرى، فمصر لن تكون ضمن هذه الدول، ولن يستطيع أن يجبر مصر على أن تعفى سفنه العسكرية والتجارية من رسوم المرور فى ممر ملاحى مصرى ذى سيادة وهيمنة مصرية.
ترامب يمارس سياسة فرض الإتاوات على كل دول العالم الجارة لأمريكا والصديقة والحليفة لها، بطرق مختلفة ومتعددة، فتارة يطلب من الدول الغنية ضرورة الاستثمار فى بلاده، وتارة يفرض رسوماً جمركية مرتفعة على واردات دول صناعية أو زراعية كبرى بحجة أنه يحميها، سواء من خلال قواعده العسكرية أو من خلال دعمه المالى والعسكرى لحلف الناتو، والآن يحاول الحصول على إعفاء من رسوم مرور سفنه عبر قناة السويس وقناة بنما، بحجة أنه يحمى الأولى ويملك الثانية.
مصر لا تحتاج حماية ولا ولاية من أحد.
فلمصر رب يحفظها وجيش يحميها
قلنا لا للتهجير لسيناء..
ولا «تانية» للإعفاء من رسوم القناة.