جيهان فوزي تكتب الاستحقاقات المؤجلة في الشرق الأوسط (1)
جيهان فوزي تكتب الاستحقاقات المؤجلة في الشرق الأوسط (1)
كان يوم السابع من أكتوبر عام 2023 بمثابة إعلان صريح لبداية جولة صراع فى غزة تمثل شرارة صراع أشمل فى المنطقة بين محورين رئيسيين استحال التعايش بينهما، الأول هو المحور الإيرانى الذى يمتد نفوذه إلى كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، والثانى هو محور الاعتدال العربى الذى، بحكم الضرورة وبحكم التناقض مع التوجهات الإيرانية، وجد نفسه أقرب إلى إسرائيل فى هذه المواجهة المحتدمة.
وعند النظر فى المنظور السياسى للحرب سوف يتأكد التغير الحاسم فى جوهره وآفاقه، إذ بحسب نتنياهو نفسه فإن الحرب لم تعد تنحصر فى هدف القضاء على حركة حماس أو استعادة الرهائن، بل أصبح عنوانها العريض والأبرز هو تغيير وجه الشرق الأوسط وفق مسارين متوازيين، أولهما توجيه ضربة قاضية إلى القوى الحليفة لإيران، وثانيهما التعامل مع إيران نفسها، سواء بالضربات الاستخبارية والأمنية أو التهديد بشن حرب شاملة عليها بالتعاون مع الولايات المتحدة لتدمير برنامجها النووى والصاروخى، وتحجيم قوتها وإجبارها على التحول عن سياساتها التوسعية فى النفوذ والتأثير على الصراع الشرق أوسطى.
وهذا يفسر لماذا اصطفت معظم الدول الحليفة للولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل منذ اليوم الأول للحرب وحتى يومنا هذا، وقد راقب العالم بنوع من الدهشة حجم التدخل الألمانى والبريطانى والفرنسى فى الحرب على غزة وعلى لبنان وفى حماية إسرائيل من الضربات الصاروخية القادمة من الشرق العراقى والجنوب اليمنى، وكم دفعت الولايات المتحدة وأوروبا بأساطيلها وقواتها البحرية لحماية البحر الأحمر، ثم لشن حرب أوسع على اليمن بهدف معلن وواضح هو تدمير قوته العسكرية وإتاحة الفرصة للحكومة اليمنية المعترف بها من الدول العربية للعودة والاستيلاء على السلطة مرة أخرى فى اليمن.
بنظرة موضوعية سارت هذه المواجهة الشاملة بالكثير من النجاح الملحوظ على مختلف الجبهات، فقد ألحقت الحرب أضراراً بالغة بحركات المقاومة فى غزة ولبنان، كما فعلت الشىء نفسه مع قوات الحوثى فى اليمن. وفى الوقت نفسه، ولكى تجنب إيران حلفاءها بالعراق، التعرُّض إلى المصير نفسه، فقد أوعزت إليهم بالتروِّى والمهادنة، بل وحتى إعلان وقف الهجمات الصاروخية على إسرائيل من جانب واحد.
وقد جاء هذا التحول، خاصة فى الشأن العراقى، بعد أن خسرت إيران واحدة من أهم ساحاتها وهى سوريا على أثر الهجوم الكاسح الذى خططت له تركيا ونفذته هيئة تحرير الشام التى تمكنت، بعد سلسلة من الضربات العسكرية والمناورات السياسية، من بسط سلطتها على كامل الأراضى السورية حتى على الشمال الشرقى بعد اتفاق لم يجد الأكراد بُداً من الموافقة عليه خشية انسحاب أمريكى يضعهم بين فكَّى كماشة ما بين الجيش التركى وهيئة تحرير الشام.
غير أن تلك الحرب الواسعة والشاملة، حتى وإن حققت إنجازات واضحة، فإنها لم تسفر عن نتائج حاسمة، ولنحاول أن نبسط الأمور بشىء من التفصيل، فى غزة ما زالت «حماس» تقاوم، فيما وهم النصر الإسرائيلى المطلق يزداد بُعداً ويتحول بنظر الخبراء العسكريين والأمنيين الإسرائيليين إلى وهم مطلق، وفى لبنان تلقَّى حزب الله ضربات موجعة أرغمته على الاستجابة إلى المطالبات الدولية والعربية والمحلية بالانسحاب من جنوب لبنان كمدخل لانسحاب إسرائيلى مقابل والوصول إلى هدنة دائمة، وقد رفعت تلك الاستجابة من حزب الله سقف التوقعات إلى حدها الأقصى وبلغت حد الحديث عن نزع سلاح حزب الله، غير أن التدقيق فى التفاصيل سيعطى صورة أقل تفاؤلاً، فلا إسرائيل انسحبت، ولا حزب الله توجه شمالاً، ولا إمكانية للدولة اللبنانية لإرغام حزب الله على تسليم سلاحه.
ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الانكفاء الملحوظ لحزب الله إنما هو تراجع مؤقت فرضته عوامل إقليمية أهمها تحوُّل سوريا من ظهير للحزب إلى عدو له، يحاول إطباق الحصار عليه ومنع وصول الإمدادات الإيرانية إليه، أما فى العراق فإن اللهجة المهادنة للقوى العراقية المتحالفة مع إيران قد اختفت فى الأسابيع الماضية، بل وتشير التقارير الغربية إلى أن هذه القوى تجند مزيداً من المقاتلين وتستقبل المزيد من الأسلحة من حليفها الإيرانى، ما يعنى أن تراجعها التكتيكى السابق لا يشير إلى تحوُّل جوهرى فى الموقف من إسرائيل. أما اليمن، وعلى الرغم من الهجوم الأمريكى البريطانى المكثف، وعلى حسب المعلقين فى كبريات الصحف الأمريكية، فإن ما تحقق من نتائج فعلية على الأرض ضئيل للغاية، إذ يستمر الحوثيون فى إطلاق الصواريخ بشكل شبه يومى على إسرائيل، وفى الوقت نفسه يتابعون هجماتهم الخطيرة على السفن الحربية الأمريكية والبريطانية، والأهم من ذلك أنهم تمكنوا، بحسب تسريبات أمريكية غير رسمية، من إسقاط سبع طائرات أمريكية مُسيَّرة خلال هذه المواجهة، أما من الناحية السياسية فإن لغتهم تزداد تصلباً وعناداً ولا يبدو أنهم على وشك إحداث أى تغيير فى مواقفهم.