عماد فؤاد يكتب خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري (2)
عماد فؤاد يكتب خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري (2)
الدعوة إلى الاصطفاف الوطنى ليست مجرد شعار، بل هى ضرورة عملية، ففى اللحظات الحاسمة التى تواجه فيها البلاد تحديات وجودية، يتوجب على الأحزاب والقوى السياسية -على اختلاف توجهاتها- أن تقف أمام مسئولياتها التاريخية، وأن ترتقى فوق الخلافات والاختلافات، وأن تضع المصلحة الوطنية العليا فوق أى اعتبار آخر، وعلى الجميع تغليب لغة الحوار والتوافق.
ويخطئ من يظن أن الاصطفاف الوطنى يتناقض مع حق الانتقاد المشروع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، فالواقع الذى لا يمكن تجاوزه -حتى فى حالة الاصطفاف- يؤكد أن هناك تبايناً فى وجهات النظر حول سبل معالجة التحديات التى تواجه البلاد، إلا أن هذا الاختلاف فى الرأى يجب ألا يتحول إلى عامل تفتيت للصف الوطنى، بل يجب أن يكون دافعاً لحوار بناء ومسئول، يهدف إلى إيجاد حلول مبتكرة وفعالة، عاجلة وآجلة، تخدم مصلحة الوطن والمواطن على حد سواء.
إن الأحزاب والقوى السياسية، بما تملكه من قواعد شعبية ورؤى مختلفة، يمكن أن تلعب دوراً محورياً فى تعزيز الوعى الوطنى، وحشد الطاقات المجتمعية، وتقديم المقترحات البناءة للحكومة.
ولا يدعونا لليأس أبداً تمسُّك البعض بشعارات غير واقعية، أو مطالبات تحمل من المزايدات ما يفوق إمكانيات تحققها.
وبدلاً من الانغماس فى صراعات جانبية لا تخدم المصلحة الوطنية، يمكن لهذه القوى أن تكون جسراً للتواصل بين الحكومة والشعب، وأن تساهم فى بناء توافق وطنى حول القضايا الاستراتيجية التى تواجه البلاد، مع توافر الشرط الذى لا يمكن القفز عليه، وهو أن تتمكن الأحزاب من الطرح، وأن تفتح الحكومة صدرها للاستماع، وأن تعلن ذلك صراحة.
على الحكومة أن تعى تماماً أن الاصطفاف الوطنى لا يعنى بالضرورة التخلى عن النقد البناء أو التوقف عن المطالبة بالإصلاح، بل يعنى القدرة على التمييز بين الخلاف السياسى المشروع وبين المساس بالثوابت الوطنية والمصالح العليا للبلاد.
الاصطفاف الوطنى فى الوقت الراهن هو درع المواجهة، وعلينا أن نبرزه كآلية دفاع استباقية، وكحجر الزاوية لصون السيادة لمصر التى كانت وما زالت وستظل محط أطماع قوى خارجية تسعى لزعزعة استقرارها.
والعالم كله يشهد للرئيس عبدالفتاح السيسى قوة مواقفه، وما أظهره من صلابة نادرة فى مواجهة مخططات إعادة تقسم المنطقة، وعلينا أن نشهد للعالم أن التلاحم بين الشعب والقيادة ليس شعاراً أو دعوة أتلفها الهوى السياسى.
ولعلّ ما يُقلق مراكز الأبحاث الاستعمارية القديمة والحديثة هو ذلك المشهد المتكرر للشعب المصرى وهو يجدد ثقته فى الرئيس، سواء عبر الانتخابات أو عبر المشاركة فى المشاريع التنموية العملاقة.
فالأجهزة الاستخباراتية الغربية، التى اعتادت على تفكيك المجتمعات بأساليب الحرب الناعمة، تجد نفسها أمام ظاهرة نادرة لشعب يدرك تماماً أن وحدته هى سلاحه الأقوى ضد حروب الجيل الرابع والخامس، وهذا ما دفع الكثير من القوى العظمى لإعادة حساباتها، والتعامل مع مصر كشريك دولى لا يُمكن تجاوزه أو الاستهانة به، لأنها لم تعد فى حاجة إلى صكوك دعم استعطافية، بل لديها من القوة الداخلية ما يضعها فى هذه المكانة.
الأهم من ذلك أن التوازن فى العلاقات مع القوى العظمى لم يعد رهناً بالمساعدات المالية أو العسكرية، بل بموقع مصر الجيواستراتيجى وقدرة رئيسها على تعبئة الشعب فى المواقف الفاصلة، مما يجعلها طرفاً لا يمكن احتواؤه أو إقصاؤه، وهنا تكمن عبقرية الاصطفاف الوطنى فى تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى نقاط قوة، وهذا ما يمكننا تحقيقه إذا أدرك المتربصون ببلادنا وبنا أن الكل فى واحد.