ثالث رواية مصرية تتوج بالبوكر.. «صلاة القلق» مساءلة الماضي ضرورة للفهم
ثالث رواية مصرية تتوج بالبوكر.. «صلاة القلق» مساءلة الماضي ضرورة للفهم
كتبت: إلهام الكردوسي
«قرية مزروعة فى قلب النسيان يهزّ أديمها انفجار غامض لجسم مجهل سنة 1977، فتتحوّل فجأة إلى علبة محكمة الغلق، يعيش فيها كل قروى ملحمته الخاصة، المتمردون المضطهدون يطلبون الحرية، والطغاة يطلبون، المستبدون يحكمون قبضاتهم على الأرواح والأعناق، لكن خيط السرد لا يتقدم إلا ليعود بنا إلى الوراء، فتلقى الرواية الضوء على عشرية قاسية تمتد من نكسة حزيران 1967 إلى لحظة وقوع الانفجار وانقلاب وجوه القرويين إلى سلاحف».
رواية «صلاة القلق» للروائى المصرى محمد سمير ندا، الصادرة عن دار مسكليانى 2024، والفائزة بجائزة البوكر 2025، فى دورتها الثامنة عشرة والتى أُعلن عنها قبل أيام، تُعد ثالث رواية مصرية تفوز بالجائزة، بعد فوز بهاء طاهر فى دورتها الأولى (2008) عن روايته «واحة الغروب»، ويوسف زيدان فى الدورة الثانية (2009) عن روايته «عزازيل».
وقد ورد فى حيثيات فوز الرواية بالدورة الثامنة عشرة من جائزة البوكر: «هى رواية يتردّد صداها فى نفس القارئ وتوقظه على أسئلة وجودية مُلحة، تمزج بين تعدد الأصوات والسرد الرمزى، بلغة شعرية آسرة، تجعل من القراءة تجربة حسّية يتقاطع فيها البوح مع الصمت، والحقيقة مع الوهم. رواية تتجاوز أبعادها الجغرافيا وتلامس جوهر الإنسان والمشترك الإنسانى.. وقد اختارها جميع أعضاء لجنة التحكيم بالإجماع».
وتقع الرواية فى 353 صفحة، وهى العمل الثالث للمؤلف بعد رواية «مملكة مليكة» فى 2016، و«بوح الجدران» التى صدرت فى عام 2021. وتدور أحداث «صلاة القلق» حول انفجار واحد فى قرية متخيّلة تُدعى «نجع المناسى»، يُروى من خلال ثمانى شخصيات مختلفة، تشكّل فسيفساء الحكاية فى سرد يركز على مساءلة النكسة وما تلاها. تبدأ الرواية بنص مكثف يلخص فكرتها: «فى البدء سطع ضوء عظيم مزق أجفان النيام، تلاه دويٌ هائل صمّ آذان الأجنة فى الأرحام، فتشكل المكان على ضفة الزمان وظلت الأعناق ملتوية تعانق حلماً عالقاً فى سماء الأمس وهاجساً يطوف على أسطح البيوت ويتسور الجدران، بينما ظل صوت واحد يتسلل إلى أسماع الصامتين، فيشدو الشعور، ويبدل الوقائع والأمور، ويحكى عن رحى حرب دارت ولم تتوقف، محذراً من ساعة حساب ينال فيها المتخاذلون ما يستحقونه من ويلات العقاب.. جرت هذه الوقائع فى نجع المناسى».
القرية المتخيلة، الواقعة خارج الزمان، يسقط عليها نيزك، ثم يظهر وباء غامض يسقط على أثره شَعر جميع الناس، وبعدها تبدأ كتابات غريبة وفاضحة فى الظهور. الزمان المحدد فى الرواية (عشر سنوات من 1967-1977)، ورغم تحديد الزمان والمكان، فالرواية تحمل العديد من الرموز والإشارات التى يمكن أن تتكرر فى أمكنة وأزمنة مختلفة وليست مقتصرة على المكان والزمان المحددين فى العمل.
بناء الرواية يجمع بين تكنيك تعدد الرواة والراوى العليم، حيث تحكى ثمانى شخصيات رئيسية بينها الشيخ أيوب (إمام المسجد)، وخليل الخوجة، وشواهى الراقصة، وزكريا النساج، وحكيم، وغيرهم. كل شخصية مرتبطة بمهنة، فهم أهل البلد و«صناع الحياة»، وكلٌ منهم يروى الحدث من زاويته، بما يعنى نسبية الحقيقة أو عدم وجود تفسير واحد للحدث نفسه. لكن هذه الشخصيات ليسوا ضحايا أو جناة بالمعنى التقليدى، بل يمثلون رمزياً المذنبين والضحايا فى آن واحد، فالشعوب التى تتم السيطرة عليها من نظام الحكم الشمولى والفردى ليسوا ضحايا بالضرورة، بل قد يكونوا أيضاً مذنبين فى حق أنفسهم وفى حق الآخرين.
رغم بعض محاولات الإصلاح، فإن تحركات الشخصيات تأتى عشوائية، كما جاء فى مشهد حرق بيت خليل الخوجة الذى ينتهى بابتلاعهم داخله، وهى دلالة على نوع من الاندفاعية والتحركات غير المحسوبة.
أما العنوان «صلاة القلق»، فهو الصلاة التى يبتدعها إمام المسجد (رمز السلطة الدينية وممثل الإسلام السياسى)، فى محاولة لتسكين القلق الوجودى الذى ينهش أبناء هذا النجع المعزول، الممزقين بين الوهم والحقيقة، والمتعطشين لخلاص. تقول الرواية: «راح الشيخ يراقب الفلاحين وهم يضربون بفؤوسهم الأرض فى همة مبتورة، وعيون محمرة مفتوحة على أفق لا يأتى بشهب جديدة، التوتر يدمغ وجوهاً سودتها الشمس..».
تتناول الرواية، بحسب المؤلف محمد سمير ندا، فكرة اختطاف العقول وتشكيل الوعى الجمعى عن طريق الصوت الواحد وبطريقة مغايرة للتاريخ، وكأنهم معزولون أو مخطوفون من الزمن الحقيقى ليعيشوا فى زمن موازٍ. موضحاً أن النيزك العنيف الذى سقط على نجع المناسى، والوباء المحير، وفقدان سكان النجع لشعورهم، وبعدها ظهور كتابات محيرة وفاضحة، كلها رموز تحمل دعوة لإيقاظ الوعى والانتباه إلى حركة الزمن، بدلاً من المشى للخلف كما كان يفعل أهل النجع عبر سنوات العزلة. أما رمزية القرية فهى المجتمع البسيط المسالم، فيما يأتى خرس «حكيم» كدلالة على الخوف.
السنوات العشر التى تدور فيها الأحداث من نكسة 1967، وحتى 1977، جرت فيها الكثير من المتغيرات فى مصر والوطن العربى، فالرواية تسير زمنياً بالعكس وتبدأ من عام 1977، العام الذى يرحل فيه عبدالحليم حافظ، صوتُ الثورة أو الفترة الناصرية، وهو العام نفسه الذى يعلن فيه الرئيس أنور السادات استعداده للذهاب إلى القدس مادّاً يديه إلى الإسرائيليين بالسّلام، وهى المرحلة التى بدأ فيها صعود الإسلام السياسى والانفتاح الاقتصادى، لذلك فهذه المرحلة تحتاج إلى إعادة قراءة بوعى لفهم الحاضر وتفسير ما حدث.
تُحسب للرواية أيضاً لغتها الشاعرية الدقيقة، التى شكّلت أحد عوامل جذبها وتميّزها. والمؤلف هو محمد سمير ندا، من مواليد العاصمة العراقية بغداد سنة 1978 لأب وأم مصريين، الأب هو الأديب سمير ندا، أحد رموز جيل الستينات، ووالدته مسئولة ثقافية حكومية، وهى عائلة أدبية تنقلت وعاشت فى القاهرة وطرابلس وبغداد. درس محمد ندا فى كلية التجارة واشتغل فى مجال السياحة فى مناصب مالية وإدارية، لكنه عرف طريقه إلى الأدب منذ طفولته.