رفعت رشاد يكتب: انتخابات الصحفيين.. تجديد النخب وترسيخ حرية الاختيار
رفعت رشاد يكتب: انتخابات الصحفيين.. تجديد النخب وترسيخ حرية الاختيار
شهدت نقابة الصحفيين المصريين بالأمس واحدة من أبرز محطاتها الديمقراطية، حيث جرت الانتخابات على مقعد النقيب وستة من أعضاء المجلس، وهو ما يمثل نصف عدد الأعضاء المنتخبين، في مشهد يعيد التأكيد على أهمية النقابات المهنية كمؤسسات حيوية في بنية المجتمع المدني المصري، وكمختبر حي لفكرة الانتخابات بوصفها آلية سلمية لتداول السلطة وتجديد الدماء في الهياكل التنظيمية، وضمان حيوية النخبة الصحفية وفعاليتها.
اللافت في انتخابات هذا العام لم يكن فقط التنافس بين عدد من الوجوه المعروفة والمستجدة، بل أيضًا درجة التفاعل الذي أحاط بالحدث. فمجتمع الصحفيين، بطبيعته، ليس كغيره من النقابات؛ إذ يضم حملة الأقلام وموجهي الرأي العام، وأصحاب الصوت الأعلى في التعبير عن تطلعات الناس ومراقبة أداء السلطات. من هنا، تكتسب انتخاباتهم طابعًا رمزيًا يتجاوز حدود النقابة إلى الأفق الوطني الأوسع، بوصفها مؤشرًا على مدى صحة المناخ العام وقابلية الإصلاح السياسي والإداري.
في جوهرها، تعكس الانتخابات فلسفة عميقة ترتبط بتجدد الشرعية وتداول المسؤولية، وهي ليست مجرد إجراء شكلي، بل تعبير حي عن حاجة المجتمعات إلى مراجعة مستمرة لمن يمثلها، وعن استعدادها لتجريب أفكار جديدة ورؤى مختلفة. وهذا ما نراه جليًا في انتخابات نقابة الصحفيين، حيث تتنافس مشاريع مهنية متعددة، من الدعوة لتحسين أوضاع الأعضاء الاجتماعية والاقتصادية، إلى حماية الحريات، وتطوير أدوات التدريب والنقاش المهني.
وتكمن قيمة هذه الممارسة الديمقراطية في كونها تفتح المجال أمام طاقات جديدة، وتدفع بالأجيال الشابة إلى المشاركة وصياغة مستقبل مهنتهم، في ظل تحديات مهنية وإعلامية ضخمة يشهدها العالم.
حين تنتخب جموع الصحفيين نقيبًا ومجلسًا جديدًا، فإنهم لا يقررون فقط بشأن مصالحهم النقابية، بل يعيدون التأكيد على التزامهم بمبادئ الديمقراطية التي يدافعون عنها عبر أقلامهم وتحقيقاتهم وتحليلاتهم. فمجتمع الصحفيين هو الضمير المهني الحي الذي يفترض أن يراقب السلطة لا أن يخاف منها، وأن يضع الحقيقة نصب عينيه لا أن يتغاضى عنها.
من هنا، فإن نزاهة الانتخابات في نقابة الصحفيين ليست رفاهية، بل ضرورة لبقاء صوت الحقيقة صافيًا. إذ كيف نطالب الآخرين بالشفافية والنزاهة إذا لم نمارسهما في بيتنا الداخلي؟
في السياق المصري، تبرز أهمية انتخابات النقابات – وعلى رأسها نقابة الصحفيين – كمساحات قد تكون أوسع نسبيًا في حرية التعبير، وأكثر قابلية للمنافسة الحقيقية من بعض المؤسسات الأخرى.
ورغم أن النقابات لا تملك صلاحيات تشريعية أو رقابية على السلطة التنفيذية، فإنها تمثل قوة معنوية ومجتمعية فاعلة. ومن ثم، فإن نجاح الانتخابات النقابية ونزاهتها يمكن أن يكون نموذجًا إيجابيًا لما يجب أن تكون عليه الانتخابات في المؤسسات التشريعية والتنفيذية: تنافسًا حرًا، وحوارًا مفتوحًا، وتمثيلًا حقيقيًا.
حين تلتزم مؤسسة مهنية مثل نقابة الصحفيين بقواعد الانتخابات النزيهة، فإنها تُرسّخ ثقافة الثقة بين الأعضاء، وتمنح شرعية قوية للمجلس المنتخب، وتوفر مناخًا مهنيًا سليمًا يقبل الاختلاف والنقد. كما أن هذا الالتزام يعزز من مكانة النقابة في أعين الجهات الأخرى، ويجعلها طرفًا يحظى بالاحترام في أي حوار وطني أو مجتمعي. الأهم من ذلك، أن نزاهة الانتخابات تضمن تمثيلًا حقيقيًا للتنوع الموجود داخل المجتمع الصحفي، ما يعزز من قدرة النقابة على التعبير عن قضايا المهنة.
إن انتخابات نقابة الصحفيين لا ينبغي النظر إليها كحدث داخلي يهم فقط أبناء المهنة، بل كاختبار حقيقي لحيوية المجتمع المدني في مصر، ومدى قابليته لتجديد نخبه، والتزامه بالقواعد الديمقراطية في إطار مؤسسي. وإذا كانت الصحافة مرآة للمجتمع، فإن نقابتها هي مرآة الصحافة ذاتها؛ فيها تُختبر الإرادات، وتُصاغ التحالفات، وتُعلن المواقف.
ومن هنا، فإن كل من شارك في الانتخابات، ترشحًا أو تصويتًا، هو شريك في ترسيخ تجربة ديمقراطية نأمل أن تتسع وتتعمق، لا في النقابات فحسب، بل في الحياة العامة كلها.