رحاب لؤى تكتب: أزمة في رأسي

كتب: أحمد فكري

رحاب لؤى تكتب: أزمة في رأسي

رحاب لؤى تكتب: أزمة في رأسي

ظللت لشهور أحاول العثور على أصل تلك المشكلة العويصة التى أواجهها باستمرار، كل يوم وكل لحظة، تلك التى تدور بالكامل حول «صعوبة البدء وصعوبة الانتهاء»، القصة ببساطة أننى أجد صعوبة كبيرة فى بدء المهام الموكلة لى، وحين أبدأ لا أرغب فى الانتهاء وأحياناً لا أقدر عليه، هكذا يستغرق أمراً قد لا يطول فى الحقيقة لأكثر من نصف ساعة أربع ساعات وربما يوم كامل، وتستغرقنى أمور بسيطة أسابيع طويلة، الأمر الذى يؤثر بدوره على قدرتى على الإنجاز وعلى النتائج النهائية بالكامل، يقولون إن هذا اسمه تسويف، ولكن ما السر وما التفسير الحقيقى للأمر؟

عثرت على الإجابات أخيراً فى عدد من الدراسات التى منحتنى صورة تبدو أوضح لما أعانيه، ويعانيه كثيرون غيرى دون أن يجدوا له اسماً يذكر! فى كتابه «الوظائف التنفيذية ما هى وكيف تعمل، ولماذا تطورت» الصادر عام 2012 يجيب عالم النفس الأمريكى راسل. أ. باركلى على المعضلة، حيث يرجع صعوبة البدء والإنهاء المرتبطة بوظائف تنفيذية فى الدماغ إلى مشكلة فى الفص الجبهى المسئول عن التنظيم والتخطيط والمثابرة واتخاذ القرارات والتحكم فى الاندفاعات، الأمر الذى يؤدى إلى جملة من المشاكل أهمها صعوبة بدء المهام، وصعوبة الحفاظ على الاستمرار، وصعوبة إنهائها عقب البدء فيها، الأمر الذى يتطلب جملة من الإجراءات، بحسب باركلى، أهمها تعديل البيئة المحيطة بحيث تدعم التنظيم الذاتى مثل استخدام الجداول الزمنية والتنبيهات، والتدريب المتواصل على مهارات بعينها، مثل تحديد الأهداف وتجزئة المهام، وأيضاً الحصول على دعم عائلى ومجتمعى لتعزيز الالتزام.

لكن هذا ليس كل شىء، ليت الأمر كان بهذه السهولة، إذ كيف يمكن لشخص يواصل التسويف والتأجيل فى البدء والإنهاء أن يجبر نفسه على البدء والانتهاء وفق مواعيد محددة، حاولت مراراً، والحق أننى كنت أنجح فى بعض الأوقات لكن المسألة مجهدة جداً، وأحياناً يكون الأمر محبطاً للغاية، لكن ما ساعدنى بعض الشىء كانت تلك الدراسة التى نشرت عام 2007 بعنوان «طبيعة التسويف: مراجعة تحليلية ونظرية لفشل التنظيم الذاتى المثالى»، حيث يشير الباحث فى دراسته إلى أن الفشل رغم المحاولات لا ينتج فى الواقع عن كسل الشخص، ولكنه يكون نتيجة لتضارب داخلى بين النية والتنفيذ، النية أن أنتهى الآن من تلك المهمة، لكن التنفيذ يتخلله العديد من الأمنيات والرغبات والتصورات التى تعصف بالذهن، كالخوف من النتائج السلبية أو الفشل، أو الرغبة فى تقديم عمل متكامل ومثالى خالٍ من العيوب والأخطاء، مع فكرة مستمرة أنه بالتأكيد هناك هو ما أفضل لتقديمه، هذا ليس أفضل شىء، كذلك الاعتماد على التحفيز اللحظة بدلاً من التحفيز المنطقى، تلك الأخيرة كارثة محققة، هكذا يتواصل الدخول مرة بعد أخرى إلى مواقع التواصل أثناء تنفيذ المهام من أجل البحث عن لايك أو ربما كلمة طيبة أو تعليق ظريف، أو حتى فيديو، يمنح المرء بعضاً من الدوبامين حتى يتمكن من مواصلة ما كان يفعله، هذا إن تذكر أصلاً ماذا كان يفعل قبل هذا كله!

مزيد من البحث منحنى مزيداً من الإجابات، ففى دراسة بعنوان «اضطراب نقص الانتباه: العقل غير المركز عند الأطفال والبالغين» خلص باحثون عام 2005 إلى أن المسألة أحياناً تتعلق بالإفراط فى التركيز وصعوبة الخروج من تلك الحالة، هكذا يواجه البعض مشكلة حقيقية فى حالة التحول، الانتقال من حال لآخر، من العمل إلى الراحة أو العكس، هكذا يظل المرء فى دائرة لا نهائية من الاستمرار فى أمور لا طائل من الاستمرار فيها، ربما بسبب حالة من عدم الارتياح تنتاب المرء عند الوصول إلى خط النهاية، هذه الأمور جميعاً ليست أمراضاً مزمنة، ولا مشاكل عقلية مستعصية، لكنها معوقات حقيقية فى مواجهة القدرة على الإنجاز تمنح صاحبها الكثير من الشعور بخيبة الأمل والإحباط، وربما الاكتئاب ونقص تقدير الذات، إذا لم ينتبه لها وإلى حقيقتها، فمعرفة المشكلة نصف الحل، أما النصف الثانى ففى البحث عن حلول حقيقية وحاسمة.


مواضيع متعلقة