عبدالفتاح علي يكتب: لماذا نحن سرعان ما ننسى؟
عبدالفتاح علي يكتب: لماذا نحن سرعان ما ننسى؟
فى عام 1979 صدر قرار إنشاء مدينة السادس من أكتوبر تيمناً بالحرب التى أخرجتنا من ظلمات النكسة إلى نور النصر المبين.
وفى بداية الثمانينات بدأ الإنشاء، بوحدات سكنية متوسطة وشعبية، مع منطقة صناعية وليدة، كان المستهدف 500 ألف نسمة.
وبعد عشر سنوات تقريباً بدأ السكان على استحياء ينتقلون إليها على مضض، وبدافع اقتصادى بحت، لكن الأعداد لم تكن كما هو متوقع، أو مأمول، (ما يقرب من 30 ألف نسمة فقط) فالخدمات شبه منعدمة، والمواصلات شحيحة ومتهالكة، والأمان متراجع.
عدد من الناس (وأنا منهم) لم يستطع التكيف مع هذا الوضع الصعب، فعادوا من حيث أتوا بعد تجربة شخصية مريرة، لم يكتب لها النجاح.
كانت المطالبات منطقية للغاية؛ بنية أساسية غير مهترئة، مياه غير ملوثة، كهرباء لا تنقطع، طرق غير متهالكة، مدارس غير مغالية، جامعات مكتملة التجهيزات، أسواق محترمة، أيادٍ عاملة مهرة، استقلال إدارى عن العاصمة.. لكن ما من شىء من هذا حدث.
فى بداية الألفية، تغير الأمر قليلاً، بعد أن اقتنع المسئولون أن طريقاً سريعاً للمدينة، بات حياة أو موتاً، لكثير من المنتجات التى لا تعرف لها مساراً لتصريفها، ولكثير من السكان الراغبين فى الانتقال الآمن ذهاباً وعودة، بعد عشرين سنة من قصر نظر التخطيط، وسوء تنفيذ، بات عدد السكان يقترب من 300 ألف نسمة.
انظروا للفرق الذى أحدثه إنشاء طريق واحد فقط طوله لا يتجاوز 14 كم، وبتكلفة وقت إنشائه لا يتجاوز 50 مليون جنيه.
عشرون عاماً ذاق فيها سكان المدينة الأوائل المر، وقلة الحيلة، والفساد فى الحصول على وحدة سكنية، حتى انتهى إنشاء المحور الذى وإن جاء متأخراً، إلا أنه ما لا يدرك كله لا يترك جله.
تعمرت المدينة الآن، وسارت تعج بنحو 3 ملايين نسمة، بعد أن نُفذت بها طرق حديثة متعددة ومترابطة، بعد 2014، فتكالب السكان على خدماتها، وتسابق الإدارة التنفيذية الزمن للحاق بمتطالبات السكان المتزايدين.
ما حدث فى أكتوبر، حدث فى العاشر من رمضان، وغيرها من مدن الجيل الأول، وحدث فى الشيخ زايد والنوبارية الجديدة وغيرها من مدن الجيل الثانى، وحدث فى القاهرة الجديدة والشروق وغيرهما من مدن الجيل الثالث.
لكن كانت التجربة تحمل الكثير من الدروس المستفادة.
أولاً: لا تفكر فى إنشاء مدينة جديدة بدون مرافق مكتملة، بنية أساسية محترمة وحديثة، وتشجيع مستمر للانتقال، وضع مخطط يتجاوز الفكر العقيم القائم على بناء وحدات سكنية فقط، وليذهب من يسكن فيها إلى الجحيم.
ثانياً: التوسع العمرانى ليس مجرد حجارة، بل هو فى الأساس بشر، هم يبنون، هم يعمرون، هم يعيشون، هم يصنعون، هم ينتجون.
ثالثاً: بدون طرق محترمة ووسائل نقل آدمية وحديثة سينتقل المضطر، فيزيداد اضطراباً مع الوقت، ويصبح مواطناً حانقاً غاضباً كارهاً.
رابعاً: المستقبل جزء مهم وخطير جداً، يجب أن نضعه فى الحسبان من أول لحظة، ولا نتركه للظروف والأهواء، والسماسرة.
فى 2010 تحولت أكتوبر إلى مدينة سياحية تجارية ترفيهية وصناعية، وانفصلت فيما بعد إلى ثلاث مدن، وصدر أكثر من قرار لتوسعتها على مدار السنوات الأربعين الماضية.
الآن وبعد أن أدركت الحكومة الحالية دروس الماضى، وبوجود رغبة من القيادة السياسية فى التعمير المدروس والمخطط والحديث، لم يعد من الممكن أن نعيد أخطاء الماضى.
خرجت 24 مدينة جديدة، فى حدها الأدنى؛ ببنية أساسية مكتملة وطرق ممهدة، وخدمات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية وترفيهية للسكان.
هذه المدن مخططها يمتد لنحو 50 سنة، تستطيع خلالها استيعاب ملايين من البشر، دون أن نكتشف أننا ينقصنا خدمة أو سلعة أو تخطيط.
الحكومة الحالية وهى تبنى مدن الجيل الرابع استوعبت مدن الأجيال الثلاث الماضية، وربطت بينها جميعاً بشبكة طرق عالية الجودة، وشبكة مواصلات عالية الحداثة، ومكنت كل المستويات من العيش فيها.
وفى خضم العمل المتسارع للتعمير نسقت ونظمت المبادرات المختلفة لتكون جزءاً من المخطط الشامل للجمهورية الجديدة.
مستشفيات جديدة هنا وهناك، مدارس جديدة وحديثة هنا وهناك، وحدات سكنية بتصميمات حديثة بمئات الآلاف هنا وهناك، جامعات حكومية وأهلية وخاصة بفكر جديد هنا وهناك، مناطق صناعية مرتبطة بالشبكات القومية للطرق والسكك الحديدة والمطارات والموانئ هنا وهناك.
خلال أقل من عشر سنوات، كانت المدن القديمة جاذبة للغاية، والمدن الجديدة مدعاة للحلم والأمل.
لم يشتكِ سكان العاصمة الإدارية أو العلمين الجديدة أو غيرها من المدن الحديثة مما اشتكينا منه قبل 30 سنة، من فقر البنية الأساسية، أو تهالك الطرق أو انعدام وسائل المواصلات الحديثة، أو الفساد فى الحصول على وحدة سكنية.
عدد سكان العاصمة الإدارية فى أقل من سنتين أضعاف عدد السكان فى العشر سنين الأولى لمدينة أكتوبر.
هل تعلمون ما السبب؟
التخطيط والرغبة فى التعمير الحقيقى القائم على البشر وليس الحجر، وإعمال العلم والدراسات قبل الشروع فى البناء.
فى النهاية سأضرب مثلاً عن تجربة حقيقية فى الانتقال إلى المدن الجديدة بين ماضٍ مؤلم وحاضر ممتلئ بالأمل.
فى يوم 6 مايو 1996 انتقلت بالسيارة فى 6 صباحاً من حدائق القبة إلى مدينة أكتوبر فى نحو ثلاث ساعات، وتحركت من أكتوبر إلى ميدان الجيزة فقط فى أربع ساعات، ثم ساعة ونصف إلى حدائق القبة، تقريباً 8 ساعات ونصف.
فى نفس اليوم ونفس الشهر لكن فى عام 2025، انتقلت بالسيارة فى ساعة إلا 3 دقائق من حدائق القبة إلى مدينة الثقافة والعلوم بالعاصمة الإدارية، ومثلها فى العودة تقريباً أقل من ساعتين.
هذا هو الفرق بين تخطيط يقضى على عمرك وجهدك وأعصابك، وآخر يحافظ عليه.