د. محمود خليل يكتب: بشر مزيفون

كتب: أحمد فكري

د. محمود خليل يكتب: بشر مزيفون

د. محمود خليل يكتب: بشر مزيفون

من أخطر الأمراض التى يمكن أن تضرب الأفراد والجماعات «تناقُض القول مع الفعل»، هذا المرض كفيل بإفساد المعاملات وضرب العلاقات بين البشر، حين يفقدون الثقة فى الكلمة التى يرددها الفرد على لسانه. يقول الله تعالى فى سورة الصف: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ».

من العجيب أن تجد أفراداً أو أقواماً تبدو عليهم علامات الإيمان يقعون فى هذا المطب الخطير، فيرددون أقوالاً لا تصدقها أفعالهم. ويقول أهل التأويل إن هذه الآية نزلت فى شأن أناس من المؤمنين قبل أن يُفرض الجهاد، كانوا يقولون: لوددنا أن الله دلَّنا على أحبِّ الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيَّه أن أحبَّ الأعمال إليه إيمانٌ بالله لا شكَّ فيه، وجهادُ أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرُّوا به؛ فلما نزل الجهاد، كره ذلك أُناس من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمره، فقال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ».

إنهم هذا الصنف من البشر الذين تتنوع تجلياتهم، فتجد نوعاً منهم يقسمون أنهم على استعداد لبذل دمائهم وأرواحهم فى سبيل ما يؤمنون به أو من يحبونه، ونوعاً آخر يتمنون الأمانى ويؤكدون أنه لو تحققت أمانيهم ليفعلُنَّ كذا وكذا، ونوعاً تعوَّد على أن يبذل الوعد ثم يخلفه. هذا النوع من البشر يشكل خطراً داهماً على الحياة، لذلك تجد أن الله تعالى قرر أن التناقض بين الأقوال والأفعال من أشد الأمور مقتاً.

ويقدم سياق نزول الآية الكريمة السبب الذى من أجله يمقت الله تعالى هذا المرض حين يضرب بنى آدم، فالسياق يتعلق بالجهاد فى سبيل الله تعالى والدفاع عن الدين والوطن، وهو أمر لا يحتمل أى تردد أو اختلاف يخلق ثغرة فى صف المقاتلين يمكن أن ينفذ منه العدو، يدلل على ذلك الآية التالية للآيتين الكريمتين السابقتين والتى تقول: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ».

التناقض بين الأقوال والأفعال حالة لا تغيب عن البشر على اختلاف الزمان والمكان، فدائماً ما يظهر جماعة الهتِّيفة الذين تجلجل حناجرهم بأعلى الكلمات المعبرة عن التضحية والفداء، حتى إذا جدَّ الجد واشتعلت المواجهة تجدهم أول من يزلزلون الصف ويفرُّون منه، ولا يخلو زمان أو مكان أيضاً من رجال أصحاب ألسنة منافقة يُمطرون الآذان بمعسول الكلام عن الزهد فى الحياة والتسامى على الرغبات، وتجدهم فى الواقع غارقين حتى آذانهم فى البحث عن متع الحياة والعبِّ منها ويجرون وراء كل مكسب ومغنم.

لا يزيد هذا النوع من البشر الذى تتناقض أقواله مع أفعاله عن «العملات المزيفة» التى قد تبدو لامعة من الخارج، لكنها معدومة القيمة حين ينزل بها صاحبها إلى سوق الحياة.. إنهم ببساطة «بشر مزيفون».


مواضيع متعلقة