سحر الجعارة تكتب: أيام ورجال من عمر «الوطن»
فى ذكرى تأسيس جريدة «الوطن»، أول مايو أعود لأفتح أوراقى وأتذكر: ولدت جريدة «الوطن» فى فترة حرجة من عمر البلاد، وكان «الفرز» بتاراً: إما أن تكون مع بلدك أو ضدها.. وكانت «صاحبة الجلالة» طرفاً فاعلاً فى المعادلة السياسية، لم نكن نكتب بأقلامنا كنا نثور على الطغيان ونغامر بمستقبلنا ونحمل رقابنا فوق كفوفنا.. كانت عبارة «يسقط حكم المرشد» كفيلة بتهديد حياتنا، وبلغ العنف ضدنا ذروته فى عملية اقتحام مقر الجريدة من «ميليشيات الإخوان».. وقتها كنا جنوداً فى محراب الكلمة لا نفتش عن «حرية الرأى والتعبير» بل نثور ليتحرر بنا الوطن المثخن بجراح العمالة والبيزنس والتخابر مع «المحتل الإخوانى».. كنت أصرخ آنذاك على الشاشات: «هذا نظام يلغى المرأة قبل أن يلغى الإعلام». لكن لا أحد يحتكر «دور البطولة»، فلكى تصل كلماتك إلى القارئ ولا تمحى حروفها فى المطبعة ولا تشطب بحبر سرى، فأنت تحتاج إلى فريق عمل «قوى ومغامر ومؤمن بوطنه وبعدالة كلمتنا».. أنت تحتاج إلى محارب حقيقى يقاتل مع أجل أن تصل كلمتك للناس.. وأنا قادمة من مدرسة الكاتب الإعلامى الكبير «عادل حمودة»، الذى كان شريكاً حقيقياً فى صناعة نجاحى وشهرتى (إذا اعتبرتمونى كذلك).. ثم كانت محطتى الثانية للرأى فى جريدة «المصرى اليوم» وكنا نفس فريق «صناع النجاح».. الكتاب الكبار الأساتذة: «الدكتور محمود مسلم، مجدى الجلاد، محمود الكردوسى والمدير الفنى للجريدة الدكتور أحمد محمود».. وكنا «كتاب الرأى» نحن رأس الحربة فى معارك الجريدة، ويعرف عن «المصرى اليوم، أنها الجريدة التى صنعت نجاحها برفع سقف «حرية التعبير».. وجاءت تجربتنا الثانية فى «الوطن».
منذ أصبحت كاتبة «محترفة» ولى شرط واحد فى الجريدة التى أكتب فيها بعيداً «عن مؤسستى الأم- دار الهلال»: «مساحة الحرية» لا تقبل التفاوض، لقد قتلت الرقيب وودعته منذ زمن ولا رقيب علىّ إلا ضميرى.
وأعترف أنى امرأة بلا حسابات لا توازنات ولا أتحسب للخطر مهما اشتد، ويبدو أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تتجاوز بعد صدمتها، قرر أحد رجال الإخوان المتخفين أن يجرنى فى المحاكم.. وهنا كان الاختيار الصعب، ودون أدنى حسابات خاضت الجريدة معى المعركة بالدعم والمساندة بالتغطية الصحفية اللازمة.. وكعادته تحمل الدكتور «محمود مسلم»، رئيس التحرير الأهم فى عمر الجريدة مشاغباتنا ومشاكساتنا.. كما تحمل متاعبنا وهمومنا فى مشوار «البحث عن المتاعب».. أن تميل إلى مرحلة مهنية أكثر من الأخرى فهذا ليس عاراً ولا جريمة إنه يرتبط بأشخاص حصل بينك وبينهم التناغم الفكرى والمهنى وأصبحت الكلمة تجرى بيننا «على موجة واحدة».. فى «الوطن» كان «مسلم» هو هذه الموجة الهادرة بالعطاء والعاصفة المدافعة عن مصر بكل قوتها والجبل الذى لا يلين ولا يهادن ولا يركع لأحد.
«مسلم» بالنسبة لى، ولكل من يعرفه، قيمة أخلاقية ومهنية ووطنية، مستحيل أن تضبط فى سجل حياته أنه أساء لزميل، أو تنازل مهنياً خوفاً من سيف المعز أو طمعاً فى ذهبه، إنسان متسق تماماً مع ذاته، إيمانه بالدولة المصرية لا علاقة له بأسماء بل بفكرة الوطن.
ولأننى من المؤمنين بأن صاحب القلم يسقط حين يؤجر قلمه لمن يدفع، أقدّر جيداً مسيرة كاتب مثل «مسلم»، لم يخلع أفكاره أمام ورق البنكنوت.. وأراقب من يرقصون «استربتيز» فى بلاط «صاحبة الجلالة» وهم يشنون حرباً ضارية ضد التجربة الجديدة لـ«الوطن»، رافضين منظومة «المهنية والأخلاق والوطنية» التى تتجسد لهم الآن كمارد.
فى هذه الجريدة رجال أثق فى مهنيتهم ووطنيتهم، رجال تشاركت معهم أنضج وأنقى تجاربى الإنسانية والمهنية، على رأسهم كان صديقى الكاتب المشاغب «محمود الكردوسى» رحمه الله، الذى ربما نكون بدأنا رحلة الشقاء معاً.
كان «محمود» أكثر أبناء جيلى موهبة وجنوناً بالصحافة، وأكثرنا تفريطاً -من باب النرجسية- فى موهبته! كان الشعر والأدب يجرانه دائماً إلى خانة الإبداع ويجرفانه عن بحر الصحافة الذى يحتاج لملاح بمهارته.. لكنه رحل وتركنا فى مهب الورق ننعيه كل يوم برائحة حبر المطبعة الذى لم يفارق أصابعه.
نحن الآن فى مرحلة «شابة» من عمر «الوطن» يقودها الكاتب الصحفى «مصطفى عمار» مجازاً هو ابنى وصديقى الصغير- إنه «آخر العنقود» والآن يترأس تحرير جريدة مشاغبة ترفع شعار «المصداقية والموضوعية» وهو حمل ثقيل، لكنه أهل للمعارك، فقد عمل بكل أشكال الميديا من الصحافة إلى إعداد البرامج وكتابة السيناريوهات.. كما أن معه كتيبة من الشباب تدرك دورها الوطنى والمهنى، تحمل على أكتافها مهمة إنجاح الجريدة.. تدرك أن «الصدق» مفتاح الوصول إلى عقل القارئ وقلبه.. أما أنا فـ«منحازة» إن شئت أن أوفيهم حقهم لاحتجت إلى عدد خاص.. فقط فتشوا عن الملفات الخاصة.. ادخلوا الموقع الإلكترونى الذى يحظى بملايين المشاهدين.. أسماء الشباب نترجمها بأعداد التوزيع وملايين المرات من الدخول على مواقع «الوطن» على الإنترنت والسوشيال ميديا.. آثرت أن أختم مقالى بهم لأنهم «الغد» الذى ساهمنا فى تشكيل وعيه -إلى حد ما- وهم حملة راية الحرية من بعدنا «هم مستقبلنا».