د/ محمود خليل يكتب: «مكان البيت»

كتب: أحمد فكري

د/ محمود خليل يكتب: «مكان البيت»

د/ محمود خليل يكتب: «مكان البيت»

حينما أتم نبى الله إبراهيم، عليه السلام، بناء البيت الحرام، وأذّن فى الناس بالحج، كان نداؤه ينطوى على معنيين كبيرين، أولهما معنى الوحدانية وترك الشرك، وثانيهما البراءة من عبادة الأوثان والتطهر من دنس الخضوع إلا لله عز وجل. يقول تعالى: «وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ».

أراد الله تعالى أن تكون تلك البقعة المباركة «مكان البيت» الساحة المقدسة التى ترتفع فوقها راية التوحيد، وتنطلق منها كل المعانى الجليلة للطهارة من الشرك والبراءة من عبادة الأوثان، بما تحمله من انغماس فى ماديات الحياة، إلى التحليق فى روحانيات الوحدانية. مكان البيت موقع أرشد الله تعالى نبيه إبراهيم إليه، ومؤكد أن له خصوصية لا يعلمها إلا الله، أما نحن فلا نعلم منها إلا ما دلنا القرآن الكريم عليه من أنه يمثل بقعة الوحدانية والبراءة من التبعية لغير الله، مكان البيت هو أخلد بقعة لتحرير الإنسان على وجه الأرض، وثورته على أن يكون عبداً لعبد مثله أو لشىء مادى يصنعه بيده، ليدخل فى عبادة رب العباد.

تعلَّم الجيل المؤمن بنبى الله إبراهيم معانى الوحدانية والإسلام لله رب العالمين، وربما احتفظت بعض الأجيال التالية بهذه المعانى، بدرجة أو بأخرى، ونجت من محاولات إبليسها لردهم ثانية إلى حظيرة الوثنية، لكن الحقيقة القرآنية تشير إلى أن جزيرة العرب سرعان ما خضعت من جديد لشيطانها، وعادت إلى الشرك ونبذت درس التحرير الأعظم الذى أورثه لها نبى الله إبراهيم، درس الحرية.

كانت تلك عادة البشرية منذ أن خلق الله آدم، فما إن تؤمن بالتوحيد وتشعر بالمعنى الحقيقى للحرية فى جيل معين حتى تعود إلى الوثنية فى الأجيال التالية، وذلك ما حدث بالضبط فى جزيرة العرب، فسرعان ما عاد أهلها إلى الوثنية من جديد، وبدأت كل قبيلة من قبائلها تبحث عمن تخضع له بالعبودية بعيداً عن الوحدانية، أو بعبارة أخرى بدأت تبحث لنفسها عن طاغوت تدين له وبه، ومن اللافت أن تجد أن القرآن الكريم يصف من استجابوا لشيطانهم وتركوا الوحدانية إلى طريق الشرك والوثنية بـ«عبد الطاغوت».

تأمل الآية الكريمة التى تقول: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ». تتناول الآية حال أقوام غضب الله تعالى عليهم فجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وظنى والله أعلم أن الآية تشبه من خرجوا عن طاعة الله إلى طاعة الشيطان بالقردة والخنازير وعبد الطاغوت، وبالتالى فهم بشر انحطوا إنسانياً، وباتوا أقرب إلى القردة التى تحب التقليد، والخنازير التى تميل إلى الردىء، والكائنات الوضيعة التى تبحث عن سيد تسير فى ركابه، أو طاغوت تعيش فى ظلاله، فتخترع لها آلهة من حجر، أو تدخل فى ركاب الاستعباد لبشر.

تتعجب وأنت تراقب الإشارات القرآنية المتكررة إلى الطاغوت والطواغيت، ثم تلتفت إلى وصف القبائل العربية لأصنامهم بـ«الطاغية».. كأنهم يهوون الطغيان.


مواضيع متعلقة