100 يوم شكلت السياسة الأكثر جدلا في التاريخ الأمريكي.. ترامب يصطدم بالعالم

كتب: محمد عبد العزيز

100 يوم شكلت السياسة الأكثر جدلا في التاريخ الأمريكي.. ترامب يصطدم بالعالم

100 يوم شكلت السياسة الأكثر جدلا في التاريخ الأمريكي.. ترامب يصطدم بالعالم

كتب - محمد عبدالعزيز

يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي مرتديًا بذلته الزرقاء، وأثناء سيره، تمرّ بجانبه لوحة عملاقة، تُجسد تلك اللحظة الشهيرة من حملته الانتخابية، يظهر وهو يرفع قبضته عاليًا والدماء تسيل من وجهه، محاطًا برجال الخدمة السرية، في أعقاب محاولة اغتياله في بتلر بولاية بنسلفانيا يوليو الماضي، يدخل المكتب ليوقّع على قرارات تنفيذية جديدة، يتردد صداها في أنحاء العالم.

بعد الدقائق الأولى لتنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، بدأ دونالد ترامب في اتخاذ مجموعة من القرارات التنفيذية التي وعد بها خلال فترة الانتخابات الرئاسية، لم يتوقف يومًا واحدًا عن إثارة الجدل بقرارته التي وعد بها، وتصريحاته وتحركاته التي قلبت سياسات العالم «رأسًا على عقب».

تصعيد غير مسبوق وتحركات غير عادية

أكثر من 100 يوم لدونالد ترامب شكلت جزءًا من سياسته، وأدت إلى تصعيد غير مسبوق وتحركات غير عادية، فمن رغبته في ضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، إلى محاولته استعادة قناة بنما وضم دولة كندا لتصبح الولاية الأمريكية رقم 51، إلى مقترحه «العجيب» بتحويل قطاع غزة إلى السيطرة الأمريكية وإطلاق ما يسمى بـ«ريفييرا الشرق الأوسط»، وأخيرًا، فرض رسوم جمركية تاريخية على كافة دول العالم وبدء حربًا تجارية مع الصين - عدو واشنطن اللدود.

في غضون ثلاثة أشهر فقط، نجح الرئيس الأمريكي في إضعاف التحالفات التي كانت قائمة منذ الحرب العالمية الثانية، وتسبب في تنفير أقرب أصدقاء الولايات المتحدة، وقطع المساعدات عن الأوكرانيين على الخطوط الأمامية ضد القوات الروسية، وشجع منافسي الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، وتوسط في وقف إطلاق النار الحاسم في غزة قبل أن تنتهكه إسرائيل وتنهيه من طرف واحد، وشن ضربات على الحوثيين في اليمن، وتأرجح في السياسة الخارجية والقضايا الاقتصادية الرئيسية إلى الحد الذي أطلق فيه على الولايات المتحدة لقب «الحليف الذي لا يمكن التنبؤ به».

عودة مُقلقة

لم تكن عودة «ترامب» إلى البيت الأبيض هادئة أو عادية، بل قلبت موازين القوى في العالم، وبدأ الحديث حول عالم جديد متعدد الأقطاب، كما أثارت سياساته قلق الحلفاء أكثر من الأعداء، فقد قلصت إدارته المساعدات الخارجية، وانسحبت من هيئات دولية رئيسية.

وتحليلًا لمقترحه في غزة ورغبته في ضم الجزر وعقد صفقة للحصول على المعادن الأوكرانية النادرة، يرى الكثير أن «ترامب» يريد عقد صفقات تجارية تدر أموالًا وتحقيق أقصى استفادة خلال الـ4 سنوات التي سيقضيها بين جدران البيت الأبيض، وفقًا لوسائل إعلام أمريكية.

ترامب

من وقف إطلاق النار في غزة.. إلى مقترح «ريفييرا الشرق الأوسط»

قبل تنصيب ترامب رئيسًا، استطاع مبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إقناع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالموافقة على اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والمستمر منذ أكثر من 15 شهرًا، بعد أن فشل سلفه جو بايدن في تمريره، كان دخول الاتفاق وتبادل المحتجزين والأسرى بين الطرفين نجاحًا ساحقًا لـ«ترامب»، لكن خلال إحدى ليالي شهر فبراير، فجر صاعقة قلبت الشرق الأوسط والعالم، إذ أعلن خلال مؤتمر صحفي مع «نتنياهو» عن خطة لنقل غزة إلى سيطرته وتهجير الفلسطينيين خارجها، ثم إعادة إعمارها وتحويلها إلى بلد سياحي يستفيد بها العالم، وهي جزء من أفكاره التي أطلق عليها السياسيون والمحللون «مجنونة».

يقول الدكتور روبرت موجينيكي، باحث في معهد دول الخليج العربية وأستاذ مساعد في جامعة جورج تاون الأمريكية، إن نهج الرئيس المُزعزع وغير التقليدي في السياسة الخارجية أحدت صدمات في أرجاء النظام الدولي، ولم يسلم الشرق الأوسط من التأثير العالمي لسياساته.

يضيف «موجينيكي» لـ«الوطن» أن الشرق الأوسط أمام منعطف كبير، وأمامه الاختيار بين شبكة عالمية من الشركاء، والتي تشمل منافسين استراتيجيين للولايات المتحدة، وهو أمر سيكون أكثر صعوبة في التطبيق مع رئاسة ترامب، مؤكدًا أن هناك افتراضًا عمليًا في البيت الأبيض بأن الحلفاء والشركاء يقفون بقوة إلى جانب أمريكا.

تحرك سريع وخطة مصرية

تحركت الدول العربية سريعًا ضد مقترحات وقرارات ترامب خلال الـ100 يوم الأولى، واستطاعت مصر صياغة مقترحات لوقف إطلاق النار، وخطة لإعادة إعمار قطاع غزة لإغلاق الطريق نهائيًا أمام واشنطن لتنفيذ خطة «مقترح الريفييرا».

يقول «موجينيكي»، إن الأمر لا يتعلق بحشد الدعم ضد مقترح الرئيس الأمريكي، بل بإيجاد طريقة فعّالة لتوجيه الوضع نحو مقترحات سياسات بديلة، لكن ما يزيد الأمر صعوبةً ليس الضغط الكبير من البيت الأبيض فحسب، بل أيضًا طبيعة هذا الصراع المستعصية، فلا توجد حلول سهلة وشاملة.

خلال أكثر من 100 يوم من رئاسة ترامب، لم تتغير العلاقة بينه وبين رئيس حكومة الاحتلال كثيرًا، فبعد لقاء أول «مثمر» خرج من خلاله «نتنياهو» بدعم أمريكي مطلق، كان الثاني «مفاجئًا ومتوترًا» خاصة مع رغبة إسرائيل في شن هجمات ضد المنشآت النووية الإيرانية، واستمرار هجمات الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

يرى الأستاذ المساعد بجامعة جورج تاون الأمريكية، أن عمليًا، الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يتغير، فإلى جانب الضغط الأولي على نتنياهو للموافقة على وقف إطلاق النار يناير الماضي، يبدو أن الوضع يسير كالمعتاد من حيث دعم الولايات المتحدة لإسرائيل لمواصلة حربها في غزة، لكن، يجب الإشارة إلى أنه «مع الرئيس ترامب، هناك دائمًا احتمال لتغيير العلاقة مع نتنياهو».

التعامل بحذر مع إيران

يواصل «ترامب» التعامل بحذر مع إيران، عدو واشنطن، والدخول في مفاوضات لبحث طبيعة عمل برنامجها النووي، لكنه يظل متمسكًا برغبته في منع طهران من الحصول على القنبلة النووية، لكنه، وإلى هذه اللحظة، يضع إمكانية التحرك العسكري مع إيران خيارًا أخيرًا في حال فشلت المفاوضات المستمرة بين الطرفين في سلطنة عمان.

الـ100 أيام الأولى في ولاية ترامب الأكثر زعزعة للاستقرار في التاريخ الأمريكي

كانت الأيام الأولى في ولايته الثانية من بين الأكثر زعزعة للاستقرار في التاريخ الأمريكي، حيث شهدت سلسلة من عمليات الاستيلاء على السلطة والتحولات الاستراتيجية والهجمات المباشرة التي تركت المعارضين ونظرائهم العالميين وحتى العديد من المؤيدين في حالة ذهول، بحسب تحليل نشرته مجلة «تايم» الأمريكية، والذي جاء غلافها الذي يصور دونالد ترامب في 100 يوم بصورته وبعنوان «Dealing with it» أي «التعامل مع الأمر»، وهي جملة شهيرة لطالما رددها خلال ولايته الأولى.

ترامب

بركان من النار داخل القارة العجوز

ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا، فجر ترامب بركانًا من النار داخل أوروبا جعلها في حيرة من أمرها، فمن حليف موثوق إلى تعاونه مع العدو الروسي - كما يطلق عليه الأوروبيون - وفي ميونيخ، ألقى نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، خطابًا تاريخيًا ينحاز فيه بشكل علني إلى اليمين المتطرف في أوروبا وأيده ترامب بشدة، معلنًا الطريقة التي ستتعامل بها الإدارة الأمريكية الجديدة معهم، إذ اتهم قادة أوروبا بالهرب من مواطنيهم، وقال لهم «أمريكا لا تستطيع أن تفعل شيئًا لمساعدتكم».

يقول جوشوا بوسبي، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية والباحث أول في مركز شيكاغو للشؤون العالمية، إن «ترامب» سواءً في مجالي التجارة والأمن، يُقوّض ثقة أوروبا بشكل جذري في النظام العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

انتظرت أووربا عودة دونالد ترامب لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية مع الحفاظ على ضمانات أمنية لكييف، لكنه فاجأ الجميع، ووقف بجانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واتهم أوكرانيا بأنها هي من بدأت الحرب، كما هاجم المساعدات الأمريكية، والتي تدفقت خلال ولاية سلفه بايدن، وفي لقاء شهد جدالًا حادًا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، بدأ ترامب وكأنه لا يريد دعم كييف، وأنه يرغب «في إنهاء الصراع الأوروبي بأي ثمن»، متهمًا «زيلينسكي» بالسعى لإشعال الحرب العالمية الثالثة.

اتهامات لـ«الناتو».. أمريكا تكره الاستغلال الأوروبي

اتهم ترامب حلف شمال الأطلسي «الناتو» مرارًا وتكرارًا بالاستغلال المالي للولايات المتحدة، ويتجلى ذلك بشكل أفضل في الرسائل النصية المسربة من دردشة جماعية عبر تطبيق سيجنال خاصة لمسؤولي الإدارة الأمريكية، حيث قال نائب الرئيس جيه دي فانس: «أنا أكره إنقاذ أوروبا مرة أخرى»، ليرد وزير الدفاع بيت هيجسيث: «أشاركك تمامًا كراهيتك للاستغلال الأوروبي، إنه أمر مثير للشفقة».

وقال الخبراء لـ«الوطن» إن دونالد ترامب يعيد رسم خريطة العالم بسياساته الخارجية، مدفوعة برؤيته «أمريكا أولًا»، ورغبته في استفزاز حلفاء واشنطن وتحقيق «الانتصارات السريعة» وعقد الصفقات المفيدة.

يضيف «بوسبي»: «تُقدّر أوروبا الآن ضعف التزام ترامب بالأمن الأوروبي، وأن عليها بذل المزيد من الجهود لحماية نفسها، ربما أدركت أوروبا هذا الأمر قبل عودته إلى الرئاسة، لكنها الآن أكثر قلقًا من استعداد ترامب للتخلي عن أوكرانيا، بل وتخشى أيضًا من تغييره مواقفه لدعم روسيا في العلاقات الدولية».

يشير الباحث في مركز شيكاغو للشؤون العالمية، أن الولايات المتحدة استطاعت ممارسة نفوذها على الساحة العالمية من خلال القوة العسكرية والاقتصادية الصلبة والقوة الناعمة، وجذبها للآخرين، والذي كان نتيجةً لنجاحها المحلي النسبي، بالإضافة إلى بعض جهودها الدولية لتنمية حسن النية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا قوتها الصلبة من المرجح أن يتدهور اقتصادها، مما سيصعّب عليها فرض نفوذها اقتصاديًا على الآخرين، ويقلل من جاذبية تقليدها، إن التخلي عن أي ادعاء بالقوة الناعمة سيُقلل من عدد الأصدقاء في الولايات المتحدة.

صعود روسيا والصين على حساب الولايات المتحدة

وفي إجابته عن سؤال يناقش صعود الصين وروسيا على حساب الولايات المتحدة بعد قرارات «ترامب»، قال «بوسبي» إن الرئيس يُقوّض القوة الناعمة الأمريكية بإلغاء معظم المساعدات الخارجية الأمريكية بشكل مفاجئ، ويُقوّض علاقات التحالف، كما أنه يُقوّض البحث العلمي الأمريكي، مما سيُصعّب على الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والاقتصادي على الصين مثلًا، كما أنه يُعيد هيكلة الدعم الأمريكي لأوكرانيا، مما قد يعني انتهاء الحرب هناك بشروط مواتية لروسيا.

يقول بيتير ليفين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تافتس الأمريكية، إنه لا يعتقد أن القادة الأوروبيين سيثقون بالولايات المتحدة كشريك حتى بعد انتهاء فترة ترامب، سيشعرون بالقلق من احتمال عودة شخص مثله، كما سيتراجع نفوذ الولايات المتحدة بشدة لأنها فقدت مصداقيتها وقيادتها الأخلاقية وحلفائها.

وأشار، في تصريحات لـ«الوطن»، إلى أنه على الرغم من الانتقادات الموجهة للسياسات الأمريكية الحالية، افترض معظم الأوروبيين أن الولايات المتحدة قوة محافظة، تبذل قصارى جهدها للحفاظ على الوضع الراهن في القارة الأوروبية، كما ظنوا أن الولايات المتحدة ستدافع عن حلفائها والمؤسسات الدولية، مشيرًا إلى أن ذلك يعني أن الأوروبيين قد يضطرون إلى تحمل عبء أكبر في الدفاع عن النفس، بل وحتى الاستعداد لردع التهديدات الأمريكية.

ترامب

استبدال الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا مكلفًا

وأكد «ليفين» أن نجاح أوروبا بمفردها صعب للغاية، فاستبدال الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا سيكون مكلفًا، وسيُرهق القدرات العسكرية والاستخباراتية الأوروبية، يضيف: «لا أعرف ما إذا كانت الدول الأوروبية تمتلك الإرادة الكافية، أو القدرة على التنسيق، أو الموارد الكافية».

وفقًا للخبراء، يُفضل دونالد ترامب الدب الروسي على أوكرانيا، لكن «ليفين» يرى أن الرئيس قد ينقلب ضد كييف بشدة لمساعدتها على الفوز.

يقول: «لن تمنع خطوات ترامب الأوكرانيين من القتال، لذا لا أعتقد أنها ستُنهي الحرب، وباختصار، بالنظر إلى تفضيل ترامب لروسيا، أعتقد أن الحرب ستستمر، هذا لا يستبعد وقف إطلاق النار، لكنه سيكون غير مستقر».

تراجع نسبة تأييد الرئيس الأمريكي بعد 100 يوم من قيادته للبيت الأبيض

وأظهر أحدث استطلاع رأي أجرته شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية، والذي أجري في الفترة من 18 إلى 21 أبريل الماضي، إن نسبة تأييد الرئيس الأمريكي بلغت 44% مقابل 55%، وبلغت نسبة تأييد ترامب للاقتصاد 38%، مع موافقة ثلث المشاركين فقط على عمله في التعامل مع التضخم والتعريفات الجمركية.

وأبدى ما يقرب من 9 من كل 10 جمهوريين شملهم الاستطلاع رضاهم عن أداء الرئيس، بينما أبدى 90% من الديمقراطيين استياءهم من أداء «ترامب»، كما أبدى ما يقرب من ثلاثة أرباع المستقلين استياءهم من أداء الرئيس في منصبه.

يعتقد حوالي 60% من الأمريكيين أن سياسات ترامب «أثرت على تكلفة المعيشة» في مجتمعاتهم، بينما يرى 12% فقط أنها خفضت تكلفة المعيشة، ووجد الاستطلاع أن 28% من الأمريكيين يعتقدون أن سياسات ترامب لم تؤثر على تكلفة المعيشة في مجتمعاتهم حتى الآن.

وبحسب شبكة «CNN» الأمريكية، تُعد نسبة تأييد ترامب التي تتراوح بين 40 - 44% هي الأدنى بين أي رئيس منتخب حديثًا في أول 100 يوم، منذ عهد دوايت أيزنهاور- بما في ذلك فترة ولاية ترامب الأولى.

وتشير أرقام استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن الأمريكيين ليسوا سعداء للغاية بأداء ترامب في ولايته الثانية.

رسوم ترامب الجمركية تقلب اقتصاد العالم رأسا على عقب

كان صدى جميع قرارات ترامب التي زلزلت العالم ضعيفًا مقارنة بفرضه للرسوم الجمركية وبدء حرب تجارية واسعة مع الصين، إذ أعلن بداية شهر أبريل عن فرضه رسومًا جمركية على كافة دول العالم، مبررًا أن «العالم استغل الولايات المتحدة لسنوات طويلة.. وحان الوقت للرد».

ترامب

صفقة أفضل للشعب الأمريكي

وفي مقال بمجلة «فورين بوليسي» كتبه السياسي الأمريكي الشهير ماثيو كرونيج لتحليل سياسات ترامب بعد مرور أكثر من 100 يوم، قال إن الركيزة الثانية لعقيدة ترامب في ولايته الثانية هي أن الولايات المتحدة تتعرض للخداع، ويرى ترامب أن وظيفته كرئيس هي تصحيح هذه الأخطاء والحصول على صفقة أفضل للشعب الأمريكي.

لكن ومع الضغوطات الداخلية وسعى الدول لعقد صفقات تجارية معه، أجّل دونالد ترامب فرض رسومًا جمركية على العديد من دول العالم لمدة 90 يومًا وأعفى بعض المنتجات من الرسوم نهائيًا، ما عدا الصين، والتي بدأت بالوقوف في وجه واشنطن، فبعد أن وصلت الرسوم الأمريكية على الواردات الصينية إلى 104%، زودت بكين الرسوم على الواردات الأمريكية لتصل إلى 125%، ليرفع الرئيس الأمريكي الرسوم إلى 145%، لترد الصين وترفع الرسوم هي الأخرى لـ125%.

الحرب التجارية بينهما لم تتوقف، إذ زعم «ترامب» إنه يفاوض الصين على اتفاق جديد، في الوقت نفسه، تنفي بكين إجراء أي محادثات مع الإدارة الأمريكية.

يقول جا إيان تشونج، أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة سنغافورة الوطنية، إن واشنطن وبكين في مواجهة حقيقية ويتنافسان على من يتحمل المزيد من الألم ومن يتراجع أولًا، وبالطبع، هذا يُكلّف تداعيات عالمية على التجارة والنمو الاقتصادي.

لم تتراجع بكين نهائيًا عن صراعها مع ترامب رغم الضغوطات، وبحسب «تشونج»، فالصين تعتقد أنها أكثر قدرة على تحمل الألم، وتدّعي أنها الطرف الأكثر مرون، كما لا ترغب قيادة الحزب الشيوعي الصيني في الظهور بمظهر الضعيف.

لكن متى ستنتهي الحرب التجارية؟ يجيب «تشونج»، قائلًا إنه من المرجح أن تنتهي عندما تُقرر كل من الولايات المتحدة والصين أنهما قد فاض بهما الكيل، لأن كل طرف يعتقد أن التراجع قد يفاقم وضعه ويظهره كضعيف لذلك يُقرر الاستمرار في المنافسة والصراع على أي حال، كما لا يمكن اعتبار أن تدهور الاقتصاد العالمي مصدر قلق خاص، سواء لواشنطن، أو بلكين، خاصة في المرحلة الحالية.

تراجع الثقة بالولايات المتحدة خارج حدودها

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة سنغافورة، إن نتاج أكثر من 100 يوم من ولاية دونالد ترامب، تراجعت الثقة بالولايات المتحدة خارج حدودها، يقول: «ربما يعود ذلك إلى اعتياد العالم على اعتبار الولايات المتحدة مصدرًا للاستقرار الشامل، رغم الانتقادات الموجهة لأفعالها وسياساتها في حالات محددة، وبالطبع، فإن تردد إدارة ترامب في التعامل مع أوكرانيا، وانتقادات حلفائها الأوروبيين القدامى، يُشكك في التزام الولايات المتحدة ومصداقيتها أيضًا».

نهج تصادمي لفك الارتباط الهيكلي

تقول دان وانج، مدير قسم الصين في مجموعة أوراسيا الاقتصادية، إن رسوم ترامب الجمركية تُمثل نهجًا تصادميًا لفك الارتباط الهيكلي، يهدف إلى إضعاف صعود قطاعي التصنيع والتكنولوجيا في الصين، لكن في المقابل، ردّت الصين بضبط النفس الاستراتيجي - متجنبةً الإجراءات المزعزعة للاستقرار مثل خفض قيمة الرنمينبي (عُملة الصين) أو إغراق سندات الخزانة، مع تشديد الضغط على الشركات الأمريكية وتسريع الاعتماد على الذات.

تضيف «وانج» أن الصين ترى أن الرسوم الجمركية الأمريكية الأحادية غير شرعية، وتعتقد أن التنازل عنها سيشجع على المزيد من الضغوط، كما أنها تحتفظ بأدوات السياسة - المالية والنقدية والتنظيمية - لتخفيف الأثر الاقتصادي، وسياسيًا، يُعدّ إظهار المرونة أمرًا بالغ الأهمية للشرعية المحلية والمكانة العالمية.

وترى «وانج» أن الحرب التجارية بين الطرفين لن تنتهي بحلٍّ واضح، حيث أصبحت التعريفات الجمركية الآن ميزةً أكثر منها ورقة مساومة، وهي جزء لا يتجزأ من منافسة جيوسياسية أوسع، فحتى بعد «ترامب»، ستكون هناك أنظمة موازية في التجارة، وسترتفع تكاليف الإنتاج بشكل دائم.

وأكدت مدير قسم الصين في مجموعة أوراسيا، أن قرارات الرئيس الأمريكي ستزيد بالفعل من النفوذ الصيني والروسي في العالم، وخاصةً في دول الجنوب العالمي، فمن خلال تنفير الحلفاء وتقويض المؤسسات متعددة الأطراف، يخلق «ترامب» مساحة دبلوماسية للصين وروسيا لتقديم نفسيهما كشريكين بديلين، وخاصة من خلال منصات مثل مبادرة الحزام والطريق ومجموعة البريكس.

حشد الدعم الدولي

وتحاول الصين حشد الدعم الدولي ضد الرسوم الجمركية الأمريكية، تقول «وانج»، إن الصين يمكن أن تتحالف تكتيكيًا مع الدول المحبطة من الأحادية الأمريكية، لكن الثقة العميقة لا تزال محدودة.

وترى أن أفضل خيار لبكين هو أن تُرسّخ مكانتها كقوة استقرار في ظلّ تقلبات الولايات المتحدة، مع تقديم حوافز اقتصادية للدول الأخرى التي تبحث عن بدائل لسلاسل التوريد التي تُهيمن عليها الولايات المتحدة، ستُحقق الصين المزيد من النجاحات مع الدول المجاورة، إذ لا أحد يستطيع حقًا أن يُخفّف من وطأة المخاطر من جاره القوي.


مواضيع متعلقة