عبير فتحي تكتب: زيارة الرئيس لموسكو.. آمال وتطلعات

كتب: أحمد فكري

عبير فتحي تكتب: زيارة الرئيس لموسكو.. آمال وتطلعات

عبير فتحي تكتب: زيارة الرئيس لموسكو.. آمال وتطلعات

أكتب إليكم هذا الأسبوع من مدينة موسكو، بعد انتهاء زيارة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، التى جاءت تلبية لدعوة الرئيس فلاديمير بوتين لحضور احتفالات روسيا بعيد النصر، وهى المناسبة التى تعكس قيمة ومكانة مصر الدولية، والتقدير والاحترام الفائقين من الرئيس بوتين لمصر، التى تشارك فى هذه الاحتفالات إلى جانب أهم وأكبر دول العالم، مما يؤكد عمق العلاقات المصرية الروسية الاستراتيجية والتاريخية.

وتأتى هذه الزيارة فى توقيت بالغ الأهمية، فى ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، وسعى مصر لتنويع شراكاتها الدولية وتأكيد حضورها كقوة إقليمية مؤثرة. وقد اشتملت أجندة المباحثات على ملفات متعددة، فى مقدمتها الاقتصاد، والطاقة، والدفاع، إلى جانب القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

وفى مقدمة تلك الملفات تأتى الجوانب الاقتصادية، حيث تسعى مصر إلى جذب استثمارات روسية جديدة، خاصة فى منطقة قناة السويس التى تحتضن مشروع المنطقة الصناعية الروسية، المتوقع أن يضخ مليارات الدولارات ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة للشباب.

كما أن التبادل التجارى بين مصر وروسيا أمر فى غاية الأهمية والحساسية، وله قيمة استراتيجية كبرى، خاصة فى ملف الغذاء، فى ظل اعتماد مصر بشكل كبير على القمح الروسى، الذى تستورد منه ملايين الأطنان، حيث تُعد مصر من أكبر دول العالم استيراداً للقمح، بينما تُعد روسيا من أكبر الدول المصدرة له عالمياً، وهو ما يفرض ضرورة وجود تنسيق طويل الأمد لتأمين الإمدادات الغذائية.

وليست مصر هى المستفيد الوحيد من العلاقة الاستراتيجية مع روسيا، بل تستفيد روسيا أيضاً، خاصة فى هذا التوقيت، لتُثبت للعالم أنها غير معزولة دولياً بعد الحرب الأوكرانية، وأنها فقط قلّصت تعاونها مع الدول الأوروبية والغربية، بينما لا تزال تحافظ على علاقات قوية مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا. ومشاركة دولة بحجم مصر فى هذه الاحتفالات تؤكد عدم عزلة روسيا عن العالم، وأن لها دوراً قادماً فى منطقة الشرق الأوسط، ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة.

وفى الوقت ذاته، كانت الزيارة مهمة للغاية فى ما يخص التطورات الجديدة فى المعاملات التجارية والعقوبات الدولية المفروضة على روسيا، حيث تُعد مصر مقصداً رئيسياً للسياح الروس، الذين يزورونها بالملايين سنوياً. وقد شملت المحادثات إدخال نظام الدفع الروسى «مير» فى مصر، وهو أمر بالغ الأهمية، بعد أن أصبح المواطن الروسى غير قادر على استخدام بطاقات «فيزا» و«ماستر كارد» فى الخارج. وبالتالى فإن تعميم استخدام «مير» فى مصر سيكون داعماً كبيراً للسياح الروس، ويُسهم فى زيادة التدفقات السياحية الروسية، ما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد المصرى.

وكان الملف النووى حاضراً بقوة، خاصة مشروع محطة الضبعة النووية الذى تنفذه شركة «روساتوم» الروسية، حيث أكد الذعيمان التزامهما الكامل بمواصلة العمل وفق الجدول الزمنى المحدد، مع تبادل الخبرات فى مجال الاستخدام السلمى للطاقة النووية، بما يدعم شبكة الكهرباء المصرية ويسهم فى تعزيز التنمية المستدامة.

ولا يمكن إغفال المجال العسكرى، حيث قررت مصر تنويع مصادر تسليحها، وأصبحت من أقوى الجيوش فى العالم بحسب التصنيفات العالمية.

وهى تتعاون مع روسيا، التى تُعد من أكبر دول العالم فى صناعة الأسلحة المتطورة، حيث ناقش الرئيسان مجالات التعاون العسكرى، فى ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات أمنية متزايدة. وتسعى القاهرة إلى الاستفادة من الخبرات الروسية فى مجالات التسليح والتكنولوجيا العسكرية، بما يدعم قدرات الجيش المصرى ويعزز استقلالية قراراته الدفاعية.

وبحسب مراقبين، فإن الزيارة تعكس توجه الدولة المصرية نحو تنويع علاقاتها الدولية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع من الحركة والمناورة على الساحة الدولية. ومن المتوقع أن تثمر الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة فى قطاعات النقل والطاقة والتعليم.

وفى النهاية تبقى كلمة دائماً أن الشراكة مع روسيا تحمل بُعداً استراتيجياً لمصر، خاصة فى ظل سعيها للتحول إلى مركز إقليمى للطاقة، وتعزيز أمنها الغذائى، وتوطين الصناعات الثقيلة.


مواضيع متعلقة