د. دعاء الهلاوي تكتب: علاقة مصر وروسيا.. قوة التأثير في المنطقة والعالم
د. دعاء الهلاوي تكتب: علاقة مصر وروسيا.. قوة التأثير في المنطقة والعالم
تُعد العلاقات بين مصر وروسيا من أكثر العلاقات تميزاً واستمرارية فى المنطقة، حيث تمتد جذورها إلى عشرات السنين، وتستند إلى أسس من التعاون المتبادل والمصالح المشتركة. وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، لترتقى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التى انعكست على مختلف المجالات، من الدفاع والطاقة إلى السياحة والتعليم. بدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا (الاتحاد السوفيتى سابقاً) فى أربعينات القرن العشرين، وتعززت خلال حقبة الرئيس جمال عبدالناصر، الذى وجد فى موسكو شريكاً استراتيجياً بديلاً للغرب. دعمت روسيا مصر فى بناء مشروعات عملاقة، أبرزها السد العالى، وقدمت لها الدعم العسكرى والاقتصادى فى فترات مفصلية.
ومنذ عام 2014، شهدت العلاقات نقلة نوعية؛ فقد زار الرئيس عبدالفتاح السيسى روسيا عدة مرات، كما استقبل الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى القاهرة، وتم التوقيع على العديد من الاتفاقيات التى رسخت التعاون بين البلدين، كان أبرزها مشروع الضبعة النووى، أول محطة للطاقة النووية فى مصر، التى تنفذها شركة روساتوم الروسية، وتعد من أكبر المشروعات الاستراتيجية المشتركة، إلى جانب التعاون العسكرى وصفقات السلاح والتدريبات المشتركة، بالإضافة إلى تبادل تجارى نشط تجاوزت قيمته 5 مليارات دولار سنوياً. كما تُعد روسيا أحد أهم مصادر السياحة فى مصر، لا سيما فى مدن البحر الأحمر، وقد استؤنفت الرحلات بعد توقفها إثر حادث طائرة 2015 بعد تعزيز الإجراءات الأمنية.
ومن أبرز ما يميز العلاقات المصرية الروسية هو اعتماد الطرفين على الدبلوماسية الهادئة والرؤية الواقعية فى التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، حيث ينتهجان مقاربات تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحوار كسبيل لحل النزاعات، وقد أسهم هذا فى تقارب وجهات النظر فى ملفات سوريا وليبيا وفلسطين والسودان، كما ظهر فى مواقفهما المشتركة فى الأمم المتحدة ومجموعة العشرين.
إضافة إلى ذلك، شهدت العلاقات طفرة فى التعاون بمجال الطاقة، خاصة الغاز الطبيعى، حيث بدأت شركات روسية مثل نوفاتك فى الاستثمار بالمياه الإقليمية المصرية، فضلاً عن التعاون المحتمل فى البتروكيماويات والطاقة النظيفة. وتشمل العلاقات أيضاً نقل التكنولوجيا العسكرية، والتدريب المشترك، وتبادل الخبرات، ما يُسهم فى رفع كفاءة الجيش المصرى.
وتمتد العلاقات إلى التعليم والثقافة، حيث تستضيف روسيا آلاف الطلاب المصريين، وتم توقيع اتفاقيات لفتح فروع جامعات روسية فى مصر، فضلاً عن تنظيم فعاليات ثقافية متبادلة. كما يُعد مشروع إقامة المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من أبرز مشروعات التعاون الاستراتيجى، إذ يوفر فرص عمل واستثمارات ضخمة ويمنح روسيا قاعدة تصديرية نحو أفريقيا والعالم العربى.
ورغم ما تحققه هذه العلاقات من تقدم، فإنها تواجه بعض التحديات مثل ضرورة أن توازن مصر بين علاقتها بروسيا والولايات المتحدة، والتأثيرات المحتملة للعقوبات الغربية على موسكو، والتقلبات الإقليمية، إلا أن القيادة فى البلدين أظهرت مرونة عالية فى تجاوز هذه التحديات والحفاظ على قوة العلاقة.
إن العلاقات بين مصر وروسيا لم تعد مجرد تعاون تقليدى، بل أصبحت شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تعزز مكانة البلدين إقليمياً ودولياً، وتخدم مصالح الشعبين، وتقدم نموذجاً دولياً قائماً على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.