عمار علي حسن يكتب: حاجتنا إلى «نقد خلاق» (3)
أحرص على قراءة ما يُكتب عنى من نقد، بصدر منشرح، وعقل منفتح، متقبلاً كل رأى مهما كان. لكنى، وكما ألزم نفسى كناقد بهذا، لا أنتظر ممن يكتب عنى أن يعتقد أن لديه سلطة الحكم على العمل بكلمة قاطعة، كأن يقول: «رواية جيدة» أو «رواية سيئة»، إنما قدرته على أن يبين كل ما فى الرواية من جوانب، قد تكون خافية عنى ككاتب، بل هى كذلك فى كثير من الأحيان. فالناقد حامل الصكوك ينحرف عن الصواب بالضرورة، لسبب بسيط وهو أن أى عمل أدبى يخضع للتذوق، الذى يختلف من شخص إلى آخر، ودور الناقد هو تجلية النص وتحليله، وتركه لمتلقين يتفاوت تقييمهم لأسباب شتى.
وسأضرب هنا مثلاً على اختلاف النقاد بروايتى «شجرة العابد»؛ فبعد أن صدرت قرأها ناقد كبير، وكتب عنها مقالاً جيداً، لكنه رأى أن الصفحات الأولى فيها جاءت ثقيلة؛ لاحتفائها بالوصف البليغ، الذى أدى، من وجهة نظره، إلى تباطؤ السرد، ورأى أن الرواية بدأت بعد ثلاثين صفحة، وطالب بأن يتم تذويب ما قبلها فى ثنايا العمل خلال طبعات لاحقة. وجاء ناقد كبير آخر ورأى العكس تماماً، وقال إن الإسهاب فى الوصف كان ضرورياً لأن الرواية تتحدث عن شجرة أسطورية كان لا بد من شرح تفاصيلها على النحو الذى صار، وهو أمر لائق بواقعية سحرية.
لا ضير أن تختلف أذواق النقاد ومناهلهم وطرائقهم، فهذا يثرى الحركة الأدبية فى العموم، لكن هناك فرقاً كبيراً بين ما يفرضه الذوق حتى ولو تردى، وما تحدثه الدخيلة السيئة حتى لو سعى صاحبها إلى إظهار عكس ذلك. فصاحب الذوق المعتل، من وجهة نظر آخرين، يرجى شفاؤه من هذه العلة، إن افترضنا وجودها، أو توهمناها، وادعينا أن أذواقنا نحن سليمة معافاة، أما صاحب الدخيلة السوداء فلا يصلح معه شىء.
ومن حسن حظى أننى لم أقابل من الصنف الثانى، حتى الآن، سوى اثنين، الأول كان يتملكه شعور غريب كلما جلس ليكتب عن نص أدبى، أن قلمه يمثل «معيار القيمة» أو هو «المقياس السليم»، وأن الكل ينتظر رأيه ليؤمن بأن ما حكم فيه من الفنون أو هو ليس كذلك، وتحول معى إلى «معاقب» وربما توهم أنه بما كتب سيهيل الإحباط على رأسى فأتوقف عن الكتابة، فيتحقق هدفه، وهو الشخص الذى أثق فى أنه غير قادر على كتابة قصة قصيرة واحدة. والثانى كان روائياً يمارس النقد شفاهياً وخفيفاً فتحول إلى «متعقب» فأمسك برواية مطبوعة فى إحدى الندوات وراح يقول: «ضبطت ثلاثة أخطاء نحوية واثنتين فى الصرف وأربعة مطبعية وواحدة إملائية»، ناسياً أنه أمسك بعشر كلمات فيها عوار من بين نحو خمسين ألف كلمة.
تجاهلت الأول، وكان ردى عليه، بأن وضعت اسمه على قائمة من ترسل إليهم دار النشر أعمالى تباعاً، ليعرف أن ما سعى إليه، حسبما أسر هو لبعضهم، لم يتحقق. فلما تتابعت أمامه نصوصى، وعرف قدر ما فيها من فن، وأدرك أن حكمه كان جائراً متسرعاً بل مغرضاً، وأن دخيلته لم تحقق له ما يصبو إليه، استقام بعض الشىء، واعترف لى حين قابلته ذات مرة مصادفة بأنه قد قرأ روايتى الأخيرة ووجدها عالية المستوى. أما المتعقب فنسى أننى ناقشت له بعض رواياته وقصصه وكتبت عنها، ولم أتوقف عند أخطاء من هذا القبيل، وطلبت منه بعد الندوة أن يحض دار النشر على الاستعانة بمدقق لغوى، وتناقشنا وقتها عن أن الكاتب مهما امتلك ناصية اللغة فإن أشياء ستمر منه، حتى لو راجعها عشر مرات، لأنه يقرأ من الذاكرة، ولذا لن يلاحظ بعض أخطائه، ومن هنا تأتى أهمية وجود عين أخرى للمدقق أو المصحح اللغوى، وكذلك المحرر الأدبى.