الصوت.. والزمن
هناك أصوات تغلبها أصوات.. وأصوات يهزمها الزمن.. حقيقة تستطيع أن تستخلصها من تلك الرحلة التى يصحبك فيها الراحل «كمال النجمى» فى كتاب «الغناء المصرى».
لعبة الحياة تقول إن القديم يتراجع فى الأغلب لحساب الجديد، فالجديد أقدر على استخدام الأدوات التى أفرزها عصرها، فى حين يظل القديم مخلصاً لما تعود عليه من أدوات، ويصعب عليه استيعاب غيرها، حتى ولو حاول لبعض الوقت. فحين بدأت منيرة المهدية رحلة الغناء لم يكن الميكروفون معروفاً فى مصر، وكان الغناء يعتمد على الصحة والعافية التى يتمتع بها المطرب أو المطربة، وقدرة صوته أو صوتها على التلون وامتلاكه القدرة على الانتقال ما بين المقامات. كل هذه الخصال كانت متوافرة فى حنجرة منيرة المهدية، ولم ينافسها فى ذلك سوى المطربة فتحية أحمد. لم يكن صوت أم كلثوم فى بداية ظهورها يستطيع أن ينافس صوت منيرة أو فتحية، بسبب ضعفه وعدم نضجه، لذلك وجدت فى الميكروفون ضالتها وأجادت استخدامه، وبمرور الوقت أخذ صوتها ينضج ويقوى، مع إجادة تامة لاستخدام أدوات العصر الجديد، فى وقت لم تتمكن فيه المطربتان العظيمتان أن تتواءما مع متطلبات العصر، فتوارت موهبتهما وراء الست أم كلثوم.
المشهد الذى عاشته المطربات الثلاث أوائل القرن العشرين تكرر على مدار مراحل كثيرة تالية، حين غلبت أصوات أصواتاً أخرى، بالمعنى العام لكلمة أصوات، وكان الفاصل فى الظهور أو التراجع هو امتلاك أدوات العصر والقدرة على التعامل بها. على سبيل المثال أدوات الاقتصاد فى السبعينات والثمانينات، اختلفت عن أدواته فى التسعينات وأوائل القرن الحادى والعشرين، فاختلف نمط الأثرياء وأصحاب الثروات وفاز من يجيد اللعب بأدوات الزمن الجديد، وأفرز العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين ظاهرة الشعبوية فى مجال السياسة، وأصبح من يجيد اللعب بأدواتها هو الفائز فى السباقات الانتخابية، وتوارى غيره إلى الظل، حتى أدوات العمل بدأت تختلف خلال الألفية الثالثة، فحين ظهرت أجهزة الكمبيوتر وبرامجه، تقدمت أجيال وتراجعت أخرى، فكل من يجيد التعامل مع أدوات العصر احتل المكان وحقق المكانة، ومن لا يجيد التعامل تراجع إلى الخلف.
ولا يخفى عليك الجدل الدائر حالياً حول أدوار الذكاء الصناعى، الذى لا يكاد صوت يعلو فوق صوته، فقد احتلت أدوات ونتاجات هذا العلم الكثير من المساحات فى دنيا الأعمال، وباتت تقوم بالعديد من الأعمال فى دنيا الاقتصاد والمال والأعمال والسياسة، واخترقت مجال الطب وحلت محل الأطباء فى بعض الأحيان فى تشخيص الأمراض بل وإجراء العمليات، مجالات عديدة بات الذكاء الاصطناعى جزءاً من الأداء بداخلها، فى الوقت الذى بدأت فيه أدوار العنصر البشرى تتراجع، ما أثار جدلاً كبيراً حول مستقبل هذا العنصر فى دنيا الأعمال فى ظل التنامى المستمر فى أدوات الذكاء الاصطناعى.
زمان كان الصوت البشرى يزيح صوتاً آخر بفعل القدرة على استخدام الأدوات الجديدة، أما اليوم فقد أصبح صوت الآلة الذكية أعلى من صوت الإنسان.