يسرا زهران تكتب: شجاعة وصلابة «السادات» أنقذت «كارتر»
يسرا زهران تكتب: شجاعة وصلابة «السادات» أنقذت «كارتر»
«الوطن» تنفرد بنشر أحدث كتاب عن وثائق مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر
يوم الثلاثاء الماضى، أصدر الصحفى البريطانى «إدوارد لوس» كتاباً ظل العالم يترقبه لوقت طويل.
«إدوارد لوس» هو صحفى بريطانى بارز يتولى منصب كبير محللى الشئون الأمريكية فى صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، وهو أحد أهم المتخصصين فى الشأن الأمريكى على مستوى العالم.
أما الكتاب الذى أصدره، فكان عن سيرة حياة «زبيجنيف بريجينسكى» مستشار الأمن القومى فى عهد الرئيس الأمريكى الأسبق «جيمى كارتر»، حاملاً عنوان: «زبيج» (اختصار اسم «زبيجنيف»)
ربما كان اسم «بريجينسكى» مألوفاً لدى بعض من عاصروا تلك الفترة: فترة حكم الرئيس «كارتر» التى شهدت بدايات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتى، بكل تفاصيلها التى تدير العقول، وشهدت أيضاً أزمة الرهائن الأمريكان بعد اندلاع الثورة الإسلامية فى إيران، والأهم، أنها شهدت توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى «كامب ديفيد» بعد زيارة الرئيس «أنور السادات» التاريخية إلى القدس.
فى كل تلك الأحداث، كان حضور «بريجينسكى» طاغياً ومؤثراً، إلا أنه لم يكن يملك شهرة من وصفوه بأنه منافسه العنيد وربما حتى «عدوه اللدود»: وزير الخارجية الأمريكى الأسبق «هنرى كيسينجر»، الذى كان دهاؤه فى جذب وتركيز الأنظار إليه لا يقل عن دهائه فى أمور السياسة.
إلا أن «بريجينسكى» فى واقع الأمر، لم يكن يقل دهاءً ولا خطورة عن «كيسينجر». بل إن بعض المراقبين، ومنهم «إدوارد لوس» مؤلف الكتاب، يرون أنه كان أكثر تأثيراً من «كيسينجر»، مهما حاول الأخير تقديم نفسه للعالم على أنه «صانع الحدث»، وربما أيضاً صانع الملوك والرؤساء.

مستشار «كارتر» عن «السادات»: لا يملك المرء إلا الإعجاب بزعيم قادر على تحمل المخاطرة من أجل قضية أسمى
«بريجينسكى» إذن هو الكفة الأخرى التى لا تقل ثقلاً عن «كيسينجر» فى السياسة الخارجية الأمريكية فى تلك الفترة، لكنها الكفة التى تشبه النصف المظلم من القمر، لا يراها معظم الناس. هو «ظل» الرئيس «كارتر» الذى كان يقبع بعيداً عن الأضواء التى يعشقها «كيسينجر». وفى الوقت الذى كان فيه «كيسينجر» يصول ويجول طيلة سنوات عمره ليملأ الدنيا بأفكاره ومذكراته وذكرياته، كان «بريجينسكى» يكتفى بإبداء تحليلاته السياسية بشكل رصين فى مختلف عهود الرؤساء الأمريكان.
لكن العالم كله يعرف اليوم أن رؤية «بريجينسكى» الثاقبة تنبأت بانهيار الاتحاد السوفيتى فى الوقت الذى لم تكن فيه هذه الفكرة تخطر على بال أحد، وأن تحركاته فى فترة الحرب الباردة جعلت البعض يقول إنه كان صاحب الخطة الأمريكية الفعلية التى أدت إلى هذا الانهيار، وأنه دفع - على الرغم من معارضة الجميع - فى اتجاه إقامة علاقات بين أمريكا والصين لأنه تنبأ قبل غيره بالمكانة التى ستحتلها الصين فيما بعد.
إلا أن ما يعنينا نحن هو أنه كان شاهداً على مرحلة فاصلة فى تاريخ مصر.
وكان شاهداً على عظمة وعبقرية زعيم مصرى اسمه الرئيس «محمد أنور السادات».
«زبيجنيف بريجينسكى». هذه هى طريقة نطق الاسم الصحيحة التى علمها الرئيس «كارتر» لموظفى البيت الأبيض عند تقديمه لمستشاره بولندى الأصل ذى الاسم المعقد فى نطقه (رغم أن الاسم انتشر نطقه فى منطقتنا العربية كما يكتب: «زبيجنيو بريجنسكى»). وكان «بريجينسكى» كما يقول «لوس» فى مقدمة كتابه عنه: «هو أول وآخر أمريكى من أصل بولندى يشغل منصب مستشار الأمن القومى الأمريكى بعد اختيار الرئيس «كارتر» له عام ١٩٧٧. وصار واحداً من أّهم خبراء أمريكا فى الشأن السوفيتى. قدم استشاراته للرئيس «جون كينيدى»، وعمل لفترة مع الرئيس «ليندون جونسون»، واكتسب سمعة بكونه المنافس العنيد لـ«هنرى كيسينجر».
ويتابع «لوس» فى كتابه: «لم يكتف «كارتر» بتعيين «زبيج» (كما كان يشتهر) كمستشار للأمن القومى فى إدارته، لكنه تجاهل أيضاً تلك الضجة التى ثارت مطالبة بالإطاحة به عندما تعقدت الأحداث السياسية. حتى فى عز أزمة الرهائن الأمريكيين فى إيران، التى ساهم «بريجينسكى» فى إشعالها بسبب إصراره على ضرورة أن تستقبل الولايات المتحدة شاه إيران المخلوع («محمد رضا بهلوى») لتلقى العلاج الطبى فيها، ظل «كارتر» واقفاً بجوار مستشاره المثير للجدل. وبالإضافة إلى علاقة الصداقة التى كانت تربط بينهما، قال «كارتر» إن «بريجينسكى» كان الوحيد ضمن فريق إدارته الذى قدم إطاراً استراتيجياً حول طريقة التفوق على الاتحاد السوفيتى. واستخدم «بريجينسكى» قضايا مثل حقوق الإنسان كسلاح ضد الاتحاد السوفيتى، وأضاف إليها تأجيج آمال دول أوروبا الشرقية فى الاستقلال عنه، حتى صار ينظر إليه فى روسيا على أنه عدو لدود. وعام 2014 قال «نيكولاى باتروشيف»، رئيس المخابرات السوفيتية الأسبق الذى عمل أيضاً كمستشار للأمن القومى للرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»: إن الاتحاد السوفيتى قد تعرض للتدمير بسبب مؤامرة دبرها له «بريجينسكى» بالتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية لإضعافه اقتصادياً.
المفارقة، كما يقول كتاب «لوس» هو أن دور «بريجينسكى» فى الحرب الباردة لا يحظى بتقدير كافٍ فى الولايات المتحدة الأمريكية بينما يأخذ حجماً أكبر من حجمه فى روسيا.
لكن لماذا لا يسمع كثيرون عن «بريجينسكى» رغم أهميته، ولماذا لم ينل التقدير الذى يستحقه؟. يقول «لوس» إنه: فى تناقض صارخ مع «كيسينجر»، الذى كان أستاذاً فى الإغراء، كان «بريجينسكى» يمتلك صبراً محدوداً مع وسائل الإعلام. لم يكن ينتمى إلى مدرسة معروفة فى السياسة الخارجية، لم يكن من «الصقور» دائماً ولا من «الحمائم» دائماً، وكان يرفض اللعب بقواعد «واشنطن» على نحو أضعف من تأثيره. وعلى مر الأيام، اكتسب «بريجينسكى» أعداءً من اليمين الأمريكى أكثر من اليسار، وظهر هذا واضحاً عام 2003، عندما خرج مبكراً ليعلن صراحةً معارضته للحرب الأمريكية على العراق. كان هذا موقفاً منفرداً ضد الطريقة التى تُلعب بها اللعبة السياسية فى «واشنطن». «كيسينجر» الذى أعلن دعمه ومساندته للحرب على العراق كان يعرف كيف يلعب تلك اللعبة. أما «بريجينسكى» فلم يكن يهتم. (المثير أن «مادلين أولبرايت»، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة فى عهد «بيل كلينتون» كانت من تلاميذ «بريجينسكى» وممن يحظون برعايته السياسية، وكانت أحد الذين ساعدوا «لوس» فى الإعداد لكتابه عنه).
بالإضافة لـ«كيسينجر»، كان الوجه الآخر المؤثر فى سياسات «كارتر» الخارجية فى السبعينات، وواحد ممن شهدوا «ماراثون» الإعداد لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، هو وزير الخارجية الأمريكى «سايروس فانس» الذى يقول عنه «لوس»: «إنه لم يكن نداً لقدرات «بريجينسكى» السياسية، وأن الأخير قد كسب معظم جولات المواجهة السياسية بينه وبين «فانس»، بما فيها تطبيع العلاقات الأمريكية مع الصين (كان «بريجينسكى» واحداً من الذين تنبأوا بصعود الصين المذهل قبل عقود من حدوثه بالفعل)، وتحديث الترسانة النووية الأمريكية، وأخيراً، تسليح المقاومة الأفغانية لمواجهة الغزو الروسى، (وهى خطوة اعتبرها كثيرون فيما بعد خطأ كارثياً منه).
التقى «لوس» بـ«بريجينسكى» كثيراً قبل وفاته عام 2017 بعد فترة قليلة من وصول الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» للحكم، ومنحه الرئيس «كارتر» قبل وفاته مؤخراً أيضاً العديد من المعلومات التى كان يحتاجها فى كتابه عن مستشاره. يقول «لوس»: «استعنت أيضاً فى الكتاب بمذكرات سوفيتية، وبأرشيف وكالة الأمن القومى الأمريكى، ومنحتنى عائلة «بريجينسكى» حق الاطلاع على نحو غير مشروط على مذكراته الشخصية وخطاباته ووثائقه المطولة، وكانت طريقة تسجيله للأحداث شديدة الدقة».
ومن هذه المصادر الدقيقة التى يكشف كتاب «لوس» عن بعضها للمرة الأولى، ظهرت أمامنا زاوية أخرى لما كان عليه الحال فى الداخل الأمريكى قبل معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
إن سخونة الموقف على الجبهة الداخلية المصرية فى الفترة التى سبقت زيارة الرئيس «السادات» التاريخية للقدس ربما تكون قد حجبت عنا ما كان يدور خارجها، إلا أن الواقع أن الوضع الداخلى فى الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن أقل سخونة ولا توتراً. كان الرئيس «كارتر» يواجه ضغوطاً وانتقادات داخلية مرة من جماعات الضغط اليهودية التى ترفض أى تلميح منه بإمكانية الاعتراف بدولة فلسطينية، ومرة من المراقبين السياسيين الذين يرون أنه لا يملك «صلابة كافية، ويتراجع أسرع مما ينبغى» أمام الضغوط الإسرائيلية. وكانت الضغوط على «كارتر» تأتى حتى من قلب دائرة مساعديه ومستشاريه الذين يختلفون حول طريقة التعامل مع الموقف فى الشرق الأوسط.
إلا أن التحدى الأكثر إرهاقاً كان يتمثل فى رئيس الوزراء الإسرائيلى وقتها «مناحم بيجين».
تكشف قراءة كتاب «لوس» عن مدى صعوبة التعامل مع «بيجين»، وتلقى الضوء كذلك على ذلك الطرف الآخر الذى كان يجلس فى مواجهة الرئيس «السادات» على طاولة المفاوضات، الأمر الذى يجعلنا حتماً نزداد تقديراً لصلابة الرئيس المصرى الأسبق وقدراته السياسية الفذة التى جعلته ينتزع السلام انتزاعاً من بين فكى القيادى الإسرائيلى الذى كان يقود الرئيس الأمريكى فى أحيان كثيرة إلى حافة الجنون!.
يحكى الكتاب عن حالة العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية قبل عقد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق «مناحم بيجين» يستعد لزيارة «واشنطن» عام 1977 فى العام الأول من رئاسة «كارتر» الذى كان يسعى لعقد سلام فى الشرق الأوسط. وقتها، بدأ وزير الخارجية الأمريكى «سايروس فانس» رحلات مكوكية ما بين تل أبيب والقاهرة وعمان والرياض ودمشق للتمهيد لجلوس تلك الأطراف المختلفة معاً على طاولة المفاوضات، إلا أن العناد الإسرائيلى وقف حائلاً دون ذلك. يقول الكتاب: «قبيل زيارة «بيجين» لـ«واشنطن»، كان كل من «كارتر» و«فانس» يرون أن على الولايات المتحدة أن تعارض وجود أى مستوطنات إسرائيلية فى الأراضى المحتلة، بينما كان «بريجينسكى» (ذو الجذور اليهودية) يرى أنه من الممكن أن تكون هناك استثناءات خاصة فيما يتعلق بالمستوطنات الدينية، إلا أنهم جميعاً شعروا بغضب عارم عندما أعلن «بيجين» عن منح الشرعية لثلاث مستوطنات بعد أيام قليلة من زيارته للبيت الأبيض التى ظنوا فيها أنهم قد اتفقوا على تجميد المستوطنات. وكان تعليق «كارتر» على ذلك وفقاً لمذكرة كتبها «بريجينسكى» بتاريخ 17 أغسطس 1977 هو: «ابن الـ…!» (سبة أمريكية معروفة)، وفى أغسطس من العام نفسه أعلن «بيجين» عن إطلاق دفعة كاملة من المستوطنات الجديدة، وبدا الأمر كما لو أن «بيجين» يضع إصبعه فى عين «كارتر» (كنوع من التحدى والاستفزاز). وهنا قال «كارتر» لـ«بريجينسكى» إن الولايات المتحدة ظلت لسنوات «تمول الحروب الإسرائيلية، وأن إسرائيل ظلت باستمرار تتعامل بسخرية مع نصائحنا ومع ما نفضله».
ويواصل الكتاب: «ولم يتأثر «بيجين» كذلك بمساعى «كارتر» الحثيثة عبر وسطاء لكى يقنع «ياسر عرفات»، الزعيم الفلسطينى، بالاعتراف بحق إسرائيل فى الوجود. كان «هنرى كيسينجر» (وزير الخارجية ومستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق) قد قدم لإسرائيل تأكيدات بأن الولايات المتحدة لن تتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية حتى تعترف بدولة إسرائيل، وظل «كارتر» ملتزماً بوعد «كيسينجر». لكن على العكس من «إسحاق رابين» و«شيمون بيريز» وغيرهما من قيادات المؤسسة الإسرائيلية (كلاهما شغل فيما بعد منصب رئيس الوزراء الإسرائيلى)، فإن «بيجين» لم يكن يهتم كثيراً باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل بما أنه لم تكن لديه أى نية فى منح للفلسطينيين وطناً لهم. كان «بيجين» يهدف فقط للتوصل إلى اتفاق ثنائى مع الرئيس المصرى «أنور السادات» مع استبعاد القضية الفلسطينية وتركها جانباً للبيت الأبيض».
وعلى العكس من «بيجين» الذى بلغ التوتر بينه وبين «كارتر» مبلغاً كبيراً، يظهر الرئيس المصرى الأسبق فى كتاب «لوس» كشخصية تحظى بتقدير الرئيس الأمريكى. يقول «لوس»: «وفقاً لـ«بريجينسكى»، فإن «كارتر» قد شعر بتقارب وإعجاب إزاء الرئيس «السادات» على الفور منذ لقائهما الأول. لكن «السادات» كان يوشك على أن يفقد صبره فى تلك الفترة. بالتالى قرر «كارتر» أن يقوم بمخاطرة. وبعد لقاء مطول مع وزير الخارجية السوفيتى وقتها «أندريه جروميكو»، الذى لا تظهر ملامحه أى تعبير كما لو كان لاعب «بوكر» محترفاً، أصدر السوفييت والأمريكان بياناً مشتركاً حول الشرق الأوسط فى ١ أكتوبر من العام نفسه، عندما اجتمع قادة العالم فى نيويورك فى إطار الاجتماع السنوى للجمعية العامة للأمم المتحدة. ودعت القوتان العظميان لمؤتمر كبير للشرق الأوسط فى مدينة «جنيف» السويسرية تحت رئاستهما المشتركة، من أجل التوصل لتسوية سلمية إقليمية وبحث «الحقوق المشروعة للفلسطينيين». كان «كارتر» يأمل، ومعه وزير خارجيته «فانس» ومستشاره «بريجينسكى» أن ذلك يمكن أن يشكل ضغطاً على «بيجين» لتقديم التنازلات التى لا يمكن أن يفكر فى تقديمها من تلقاء نفسه، وكان من الممكن أن يمنح ذلك الأمر للفلسطينيين من ناحية أخرى غطاءً للجلوس على نفس طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين ولو كجزء من وفد عربى أكبر. إلا أن «كارتر» ارتكب خطأ كلفه الكثير عندما لم يقم بإبلاغ الكونجرس ولا المنظمات اليهودية الأمريكية مسبقاً بخطوته الدراماتيكية المفاجئة. كان اصطفاف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى جانب واحد أمراً صادماً بما يكفى، لكن دعمهما المشترك «للحقوق المشروعة» للفلسطينيين صنع حالة من الغضب العارم. وعند قراءة البيان الثنائى المشترك، انفجر «موشى ديان» وزير الخارجية الإسرائيلى وقتها (ووزير الدفاع خلال حربى 1967 و1973) غاضباً. كان قد فقد إحدى عينيه ويغطيها برقعة سوداء مما منحه طابعاً يشبه القراصنة، وقال: «ربما كانت لدىّ عين واحدة لكنى لست أعمى». وكان رد الفعل الداخلى الأمريكى، بإيعاز من «ديان» ومعه السفير الإسرائيلى فى «واشنطن» وقتها «سيمشا دينيتز»، انفعالياً وغاضباً».
ويواصل الكتاب: «أمام هذه العاصفة من ردود الفعل الغاضبة، كان أمام «كارتر» خيار إما بالثبات على موقفه بحزم، أو التراجع عنه، واختار «كارتر» أن يتراجع، الأمر الذى أثار قلق «فانس» و«بريجينسكى» معاً. وفى بيان مشترك ظل كل من «كارتر» و«بريجينسكى» و«فانس» يتجادلون بصدده مع «ديان» فى جناح بأحد الفنادق حتى الساعات الأولى من الصباح، بدا تراجع «كارتر» واضحاً. صحيح أنه لم يخفف كثيراً من الإطار التفاوضى العام لأمريكا فى «جنيف» لكن كان الانطباع العام، خاصة فى العالم العربى، أنه قد رضخ أمام غضب اليهود الأمريكان ومعهم الإسرائيليون. وفى مذكرة كتبها «بريجينسكى» بتاريخ 5 أكتوبر 1977، كتب «بريجينسكى» قائلاً إن: «ديان» قد ابتز «كارتر» فعلياً من خلال تهديده بأن يجعل خلافاتهما معروفة على الملأ لو لم يوافق على إصدار بيان إسرائيلى - أمريكى مشترك لتوضيح ما سبق فى البيان المشترك مع السوفيت».
لم يؤدِّ هذا الموقف فى التشكيك فى مصداقية وصلابة «كارتر» فى العالم العربى وحسب، وإنما فى قلب أمريكا أيضاً. يحكى الكتاب عن لقاء جمع بين «بريجينسكى» و«جيمس ريستون»، كاتب الرأى البارز فى صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، الذى كان مقرباً من «بريجينسكى» ومتعاطفاً مع الأهداف التى كان «كارتر» يريد تحقيقها فى الشرق الأوسط. إلا أنه لم يكن راضياً عن تعامل «كارتر» مع الموقف، وقال لـ«بريجينسكى» صراحةً: «لو لم تواجهوا اللوبى اليهودى مباشرة، فسوف يتم تمزيق «كارتر» إرباً، ولن تبقى لديه أى قدرة على القيادة المؤثرة».. وبعد ذلك اللقاء بأسابيع وفقاً للكتاب، «حذر «بريجينسكى» رئيسه من أن الأرقام تظهر تراجعاً فى شعبيته فى استطلاعات الرأى، وأن هناك شعوراً عاماً بأنه يتراجع عن موقفه بسهولة أكثر من اللازم. وقال «بريجينسكى» لـ«كارتر» فى مذكرة كتبها له: «بعبارات بسيطة ومباشرة، هناك من يرون أن سياساتك الخارجية هى سياسات «ليّنة». ووجه «بريجينسكى» النصح لـ«كارتر» بأن يتخذ قراراً يحمل طابعاً «صلباً» بشكل واضح، الأمر الذى تفهمه «كارتر»، وكتب بقلمه على هامش مذكرة «بريجينسكى» كما لو كان يسعى لتقوية نفسه: «لا تجبُن».
كان هذا هو الحال باختصار فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1977: جماعات الضغط والمصالح اليهودية ذات النفوذ تمارس ضغوطاً هائلة للدفاع عن المطالب الإسرائيلية، التى يقودها رئيس وزراء لا يقبل التنازلات ولا يتردد فى تحدى الرئيس الأمريكى الذى لم يثبت نفسه ولا أقدامه بعد فى عامه الأول من الحكم. من الناحية الأخرى، تنظر الجماعات المؤثرة فى عملية صنع القرار الأمريكى إلى «كارتر» على أنه لا يملك ما يكفى من الصلابة للتوصل لتسوية سلمية فى ملف شديد الوعورة والصعوبة مثل ملف الشرق الأوسط.
لكن من كان يملك هذه الصلابة فى نهاية الأمر كان الرئيس «السادات».
يقول الكتاب: «على امتداد سنوات رئاسته، كانت عزيمة «كارتر» تتأرجح بين الصعود والهبوط. لكن فى تلك اللحظة التى بدت فيها الأمور وكأنها قد وصلت إلى طريق مسدود، كانت شجاعة «السادات» هى التى أنقذت الموقف. كان الرئيس المصرى يشعر بتشكك إزاء خطة «كارتر» الأمريكية - السوفيتية فى «جنيف»، مثله مثل «بيجين»، ولم يكن أى منهما يريد أن يكون لـ«موسكو» أى دور رسمى فى الشرق الأوسط. وهنا قرر «السادات» أن يختصر مراحل طريقة «كارتر»، فأعلن فى بداية نوفمبر أنه مستعد للذهاب إلى إسرائيل وتوجيه خطاب إلى «الكنيست» الإسرائيلى فى محاولة دراماتيكية ومفاجئة لكسب «بيجين» وجمهور الإسرائيليين. لم يكن قد سبق لرئيس عربى من قبل أن وضع قدمه فى إسرائيل منذ تأسيسها، وفى غياب دولة فلسطينية، كان هذا التحرك أمراً لا يمكن أن يخطر ببال أحد. وهكذا، عندما سمع «كارتر» بالخبر، ترك العمل على خطبة كبيرة كان يخطط لها حول الطاقة. كان رهان «السادات» مذهلاً ومثيراً إلى حد أن «كارتر» لم يعد قادراً على التفكير فى أى شىء آخر، وفقاً لمذكرة كتبها «بريجينسكى» بتاريخ 3 نوفمبر 1977».
ويواصل الكتاب: «كان تحرك «السادات» يشكل إنقاذاً لـ«كارتر» الذى وصلت جهوده من أجل السلام إلى طريق مسدود مبكراً جداً. وعندما كان «بريجينسكى» يتابع على شاشة التليفزيون فى البيت الأبيض مراحل مسيرة «السادات» لدى وصوله إلى «القدس»، شعر بأنه يشاهد «تاريخاً حياً» يُكتب. وعلى مستوى العلاقات العامة، نجح «السادات» فى كسب قلوب الجماهير الإسرائيلية منذ اللحظة التى وضع فيها قدمه على أرضية المطار. هناك، وقف «السادات» وجهاً لوجه أمام «جولدا مائير»، رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتها والتى تعتبر عدواً لمصر. ابتسم «السادات» ابتسامة عريضة وصافحها بحرارة. ونجحت شجاعة ودفء الرئيس المصرى فى إذابة حدة أكثر «المراقبين» انتقاداً له».
لكن «بيجين» ظل هو «العقدة» التى تقف فى سبيل الحل.
يواصل الكتاب: «فى أعقاب زيارة «السادات» إلى القدس، ظل «بيجين» يظهر عدم المرونة. ورأى «كارتر» أن «بيجين» لا يظهر تجاوباً مع مبادرة «السادات» النبيلة والعظيمة، رغم أنه كان على الزعيم الإسرائيلى أن يقدم تنازلات على الفور. هنا قال «بريجينسكى» لـ«كارتر» أنه لا بد من منح «بيجين» مزيداً من الوقت. كان «كارتر» يتعلم أنه لا شىء يتم بسهولة فى الشرق الأوسط، إلا أنهم جميعاً، خاصة «كارتر»، شعروا بأنهم مدينون للرئيس «السادات». وفى مذكرة بتاريخ 20 نوفمبر 1977، كتب «بريجينسكى» عن الرئيس «السادات» قائلاً: «إن المرء لا يملك إلا الإعجاب بزعيم وقائد عنده قدرة على تحمل مثل هذه المخاطرة فى سبيل قضية أسمى. لكن أسفى الوحيد أن «كارتر» لا يفعل مثله».
لكن كل هذا كان على وشك أن يتغير.
و«كارتر» كان يستعد لرعاية أول اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل فى «كامب ديفيد» رغم كل الصعوبات.
والرئيس «السادات» كان يستعد لتعليم الدنيا فن انتزاع الحقوق بالتفاوض والسياسة من بين أنياب من لا يعرفون إلا لغة القوة، بعد أن أجبرهم على الاستماع إليه باللغة التى يفهمونها.