حلمى النمنم: لولا القضية الفلسطينية لكانت مصر فى مصاف الدول الكبرى
حلمى النمنم: لولا القضية الفلسطينية لكانت مصر فى مصاف الدول الكبرى
حوار: إلهام الكردوسي
«لولا القضية الفلسطينية، لكانت مصر، دولة وشعباً، فى مصاف الدول الراقية الكبرى فى العالم ثقافياً واقتصادياً وحضارياً»، بهذه العبارة يؤكد الكاتب الصحفى حلمى النمنم وزير الثقافة الأسبق، موقع القضية الفلسطينية فى وجدان الدولة المصرية، مشيراً إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التى تنبّهت إلى خطورة الهجرات اليهودية إلى فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر. كما أعرب عن تقديره الخاص لموقف القيادة السياسية المصرية من القضية الفلسطينية فى الوقت الراهن.
وبمناسبة الذكرى الـ77 للنكبة تحدث «النمنم» فى حواره مع «الوطن» عن حرب 1948، والأسباب التى أدت إلى اندلاعها بين العرب وإسرائيل، وأسباب الهزيمة، وأبرز النتائج التى ترتبت عليها، موضحاً انعكاسات القضية الفلسطينية على الثقافة والإبداع فى مصر.
■ متى بدأ الالتفات إلى خطورة الممارسات الإسرائيلية فى فلسطين؟
- مصر كانت من أكثر الدول العربية دعماً للقضية الفلسطينية، وكانت تتابع بقلق قضية الهجرات اليهودية المتزايدة إلى فلسطين منذ القرن التاسع عشر، حيث كانت الصحف المصرية ترصد أخبار فلسطين أولاً بأول. وقد نوقش موضوع الهجرات اليهودية على نطاق واسع فى الصحافة المصرية، وكانت الآراء وقتها متباينة؛ فبعضها لم يقدر خطورة الموقف، بينما كان هناك موقف رافض للهجرات، وآخر اعتبرها مجرد هجرات إلى دولة من دول الإمبراطورية العثمانية، ودليلاً على تسامح المسلمين. وكان هناك رأى ثالث يقوده شبلى شميل، يرى أن هذه الهجرات جاءت لإعمار الأرض الخراب، وأن «الأرض لمن يزرعها ويعمرها».
■ وكيف تبلور الرفض لهذه الهجرات على أرض الواقع؟
- ظهر ذلك فى الصحافة المصرية التى كانت حريصة على متابعة الوضع. وفى 1913 زار جورجى زيدان فلسطين، وكتب سلسلة تحقيقات نُشرت فى مجلة «الهلال» عن هذه الهجرات، وكان مهتماً خلال رحلته بدراسة الوجود الصهيونى، وقد جمعت هذه التحقيقات فى كتاب بعنوان «جورجى زيدان: الصهيونية.. تاريخها وأعمالها». فكان «زيدان» أول من رصد أن الهجرات اليهودية ليست ذات طابع إنسانى، بل تهدف إلى إقامة دولة. فقد أحيوا اللغة العبرية، وأنشأوا شركات للمواصلات والبريد، وإذاعة ناطقة بالعبرية، وبنوا مدينة تل أبيب لتكون عاصمة لهم. وقال جورجى زيدان: «إذا استمرت الأوضاع على ما هى عليه، فإن فلسطين ستضيع إلى الأبد خلال عشرات السنوات». ثم جاء وعد بلفور فى 1917.
■ كيف استُقبل وعد بلفور فى مصر؟
- وعد بلفور كشف بوضوح أن هذه الهجرات لم تكن إنسانية، بل سياسية لبناء وطن قومى لليهود. وقامت المظاهرات فى القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة رفضاً لهذا الوعد. ومنذ ذلك الحين، حملت مصر القضية على عاتقها، شعباً وحكومة. ويمكننا الرجوع إلى مواقف مصطفى النحاس باشا، وصولاً إلى عام 1936 عندما طُرح قرار تقسيم فلسطين، فقامت الثورة الفلسطينية احتجاجاً عليه.
■ ألم تكن مصر مشغولة بقضايا التحرر ومحاربة الاستعمار فى هذا الوقت؟
- رغم انشغال المصريين بقضاياهم الداخلية ومقاومة الاستعمار البريطانى، إلا أنهم تابعوا عن كثب ما يحدث فى فلسطين وسوريا ولبنان وليبيا. يكفى أن نذكر الدعم الذى قدمته مصر لعمر المختار، سواء بالتبرعات المالية أو بإرسال مقاتلين للقتال إلى جانبه فى ليبيا.
■ ما أثر الحرب العالمية الثانية على الوضع فى فلسطين فى هذا التوقيت؟
- انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، وفى نوفمبر 1947 طُرح مشروع تقسيم فلسطين فى الأمم المتحدة، فى سياق تقسيم دول عدة بعد الحرب، مثل الهند وباكستان، والكوريتين. وقد نصّ القرار على إقامة دولتين، واحدة لليهود وأخرى للعرب.
■ ما الأسباب التى أدت إلى اندلاع حرب 1948؟
- دولة إسرائيل أُعلنت فى 15 مايو 1948 بقرار من الأمم المتحدة، وبعد دقائق اعترف بها الاتحاد السوفيتى ثم الولايات المتحدة، أى إنها نالت اعتراف القوى الكبرى. فقامت الحرب نتيجة هذا الإعلان.
■ ما تداعيات النكبة على مصر؟
- حتى لو انتصرت الجيوش العربية، لتدخلت الأمم المتحدة لدعم وحماية إسرائيل. منذ ذلك الوقت يتكرر القول: «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها». والقضية الفلسطينية جزء أساسى من قضايا مصر. ومن تداعيات هزيمة الجيوش العربية فى الحرب؛ استغلال التيار الدينى المتشدد نتائج الحرب لمهاجمة الأنظمة، وبدأت عمليات الاغتيالات الكبرى، منها فهمى النقراشى باشا فى مصر، والملك عبدالله فى الأردن، ورياض الصلح فى لبنان. ومنذ ذلك الوقت، استغلت التيارات الدينية خاصة جماعة الإخوان المسلمين، القضية الفلسطينية للطعن فى الحكام العرب وهدم الدولة الوطنية. وجعلوا من فلسطين ذريعة للمزايدة السياسية حتى اليوم.
■ ما أبرز التحولات التى طرأت على موقف مصر بعد ثورة يوليو 1952؟
- فى 1955 شنت إسرائيل غارة على غزة وقتلت عدداً كبيراً من الجنود المصريين، فأصبحت المواجهة ضرورية. وبدأت مصر فى تسليح جيشها، وأصبح الصراع مع إسرائيل على رأس أولويات الدولة.
■ ما موقع القضية الفلسطينية خلال الحروب التى خاضتها مصر ضد إسرائيل؟
- فلسطين تقع على حدودنا الشمالية الشرقية، ومنذ وعد بلفور اعتبر الفلسطينيون أن القضية ليست محلية فقط بل عربية، ومصر على رأس الدول المعنية بها. خُضنا خمس حروب مع إسرائيل: (1948، 1956، 1967، حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973)، فى أقل من 50 سنة، ودفعنا فيها ثمناً باهظاً من الدماء، دخلنا أغلبها من أجل فلسطين. وأكرر: «لولا القضية الفلسطينية لكانت مصر اليوم فى مصاف الدول الراقية الكبرى ثقافياً واقتصادياً وحضارياً». ففلسطين متجذرة فى الوعى العربى، ومصر فى المقدمة، باعتبارها صاحبة دور تاريخى، فهى التى حررت القدس من الصليبيين على يد صلاح الدين، ولذلك فمنوط بمصر أن تقوم بنفس الدور التاريخى، كما أن هناك ارتباطاً وجدانياً عميقاً بين الشعبين المصرى والفلسطينى.
■ كيف انعكست القضية الفلسطينية على الأدب والثقافة فى مصر؟
- انعكست بوضوح فى الشعر والأغنية والأدب. ظهرت القصيدة الجديدة بعد نكبة 1948، وغنى الموسيقار محمد عبدالوهاب «أخى جاوز الظالمون المدى»، وأم كلثوم «أصبح عندى الآن بندقية». كما ظهرت أعمال سينمائية وأدبية مهمة، مثل رواية «طريق العودة» ليوسف السباعى، التى تناولت حرب 1948 ودور الجيش المصرى، وتعد رواية تاريخية ذات أهمية خاصة. تأسست مدرسة فكرية كاملة لدراسة الصهيونية والقضية الفلسطينية، من أبرز أعلامها عبدالوهاب المسيرى، وحسن ظاظا، ومحمد ربيع، ومحمد عوض محمد، وعباس محمود العقاد. كما تأسس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام بعد نكسة 1967، وكان اسمه فى البداية مركز الدراسات الفلسطينية. كذلك أصدرت وزارة الثقافة والإعلام سلسلة «اعرف عدوك» بعد 1967.
■ كيف ترى موقف مصر من القضية فى الوقت الراهن؟
- قولاً واحداً، منذ السابع من أكتوبر 2023، أُقدّر كثيراً تعامل الدولة المصرية مع القضية، من الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى مؤسسات الدولة، وخصوصاً رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية. لقد تعاملوا مع الموقف بمستوى وطنى رفيع واحترافى، وننحنى لهم احتراماً. كما أن الإعلام المصرى يؤدى دوراً مهماً ومؤثراً فى هذه المسألة.