«الحمام الزاجل».. تراث شعبي وزينة وباب رزق (ملف خاص)

كتب: أمنية سعيد

«الحمام الزاجل».. تراث شعبي وزينة وباب رزق (ملف خاص)

«الحمام الزاجل».. تراث شعبي وزينة وباب رزق (ملف خاص)

فى حضرة الأجنحة المرفرفة، وفى عالم يمتزج فيه هديل الحمام بنبضات قلب الإنسان، ينسج الهاوى قصة أُلفة لا مثيل لها مع حمامه. يقف خلف أقفاصه الخشبية التى اقتطع لها جزءاً من سطح منزله، وعيناه تلاحقان كل حركة ويراقبها بحبٍ وشغف، يعرف حركاتها وسكناتها، ويحفظ أشكالها وألوانها، ويستطيع أن يميز جيداً بين من يميل إلى الترحال، ومن يفضل الدفء والاستقرار فى عشه، بين من يبحث عن رفيق، ومن يكتفى بصمت وحدته.

فلحظة إطلاق الهاوى للحمام هى لحظة تحرر مشتركة، يتحرر فيها الحمام، ويتحرر معها قلب الهاوى، وكأنه يطلق جزءاً من روحه، يراقبها وهى تعبر المدن، تتحدى المسافات، فقد يكون جسده هنا، فى زحام القاهرة، لكن قلبه يرفرف مع أجنحة حمامه فى سماء محافظة أخرى، إذ يرى الهاوى فى حمامه انعكاساً لذاته، تلك الروح التى تتوق إلى الانطلاق، والقدرة على تجاوز الحدود والمسافات، ذلك السلام الذى ينعكس على حركات الطائر الرشيقة، فهى علاقة صداقة وانسجام تتجاوز حدود التربية، ويتوحد فيها قلب الهاوى مع طيوره.

فَمَن يُربّى الحمام يعرف جيداً معنى الانتظار، والوفاء، وأن تعتنى بكائن لا يملك إلا جناحيه، ومع ذلك يعود إليك دائماً، دون أن تربطه بك قيود. فهناك شىء مؤثر لحظة فتح القفص، حين يطير الحمام عالياً، يبتعد فى السماء، ثم يعود وكأن قلبه مشدود إلى المكان، إلى من يهتم به ويطعمه ويحادثه بصمت. وحينها يختبر الإنسان مفاهيم نادرة؛ كالصبر، والهدوء، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة. يرعى الطائر، يتأمل تصرفاته، يقلق إن تأخر فى العودة، ويفرح حين يراه يحلّق مجدداً فوق سطح البيت. وكأن الحمام يعلّمه كيف يكون الحب بلا شروط، والانتماء بلا تملّك.