أشرف غريب يكتب: التحدي الأكبر الذي واجهه عادل إمام

كاتب صحفي

بالأمس، السابع عشر من مايو 2025، أتم الزعيم عادل إمام عامه الخامس والثمانين فى عمره المديد، أعطى خلاله للفن أكثر من ستين عاماً، من بينها ما يقرب من نصف قرن انفرد فيه وحده بزعامة دولة الفن قيمة ومكانة، وأيضاً على مستوى الأجر، حتى أضحى ومنذ عقود أغلى نجم فى مصر «غلاوة وغلواً» فى آن واحد، ورغم تعاقب الأجيال على عادل إمام فقد ظل محافظاً على مكانته وحظوته الطاغية لدى جمهوره العريض، وربما كانت موجة أفلام الشباب هى أشد الموجات قوة وتحدياً لنجومية عادل إمام، ومع ذلك فقد استطاع التعامل مع تلك الموجة ونجومها، بل وتجاوُزهم والبقاء على القمة طوال كل هذه السنوات.

فبعد عرض الجزء الثانى من «بخيت وعديلة» أو «الجردل والكنكة» فى فبراير 1997 طرأ على السينما المصرية، صناعة وفناً، متغير جديد بفعل الحالة التى أحدثها النجاح غير المتوقع لفيلم «إسماعيلية رايح جاى» فتبدلت اهتمامات الناس وتغيرت آليات الإنتاج، وضُخت رؤوس الأموال الضخمة، واختلفت طقوس الفرجة السينمائية، فحلت صالات المول المحدودة محل دور العرض التقليدية، وبات نجاح الفيلم يقاس بالإيرادات وليس بعدد أسابيع العرض مثلما كان فى الماضى.

وعرفت تلك الإيرادات الأرقام ذات الأصفار الستة، وظهرت كيانات واختفت أخرى، وساد تيار عُرف بسينما الشباب، والأهم من هذا هنا هو أنه مع بروز هذا التيار عرفت السينما المصرية جيلاً جديداً من النجوم أصبح حضورهم القوى مزاحماً لجيل كان حتى ذلك الوقت المستحوذ الأكبر على كعكة السينما المصرية، فماذا يفعل عادل إمام حيال هذا التحدى وهو الذى لم يهبط على القمة بالبراشوت أو أتته بسهولة؟ هل يتوقف مثل غيره؟ وما هو موقفه من هذه الأسماء الجديدة أو الشابة؟

اللافت فى الأمر، والذى يدلل على فطنة الزعيم وقدرته على الفهم، أن عادل إمام عشية هذه المرحلة لم يضبطه أحد يوماً متلبساً بالهجوم على الكوميديانات الجدد أو انتقادهم، وإنما أعاد ما فعله معه فى بداياته أستاذه فؤاد المهندس، وراح يحتوى هؤلاء بمجرد أن اشتمَّ فيهم رائحة النجاح، فبات هنيدى وعلاء وأشرف وآدم قواسم مشتركة فى أفلامه التى سبقت «الإسماعيلية» أو تواكبت معها، بل إنه ظل يفعلها بعد ذلك، وأبرزهم أحمد مكى فى فيلمه «مرجان أحمد مرجان» فبات هو الأستاذ بالنسبة لهم، وباتوا هم الامتداد الطبيعى له حتى وإن كانوا يقدمون -فى المجمل- كوميديا غير تلك التى ألف تقديمها.

وفى الوقت الذى آثر غيره من أبناء جيله الانسحاب من الساحة أمام هذا التيار الكاسح، أو على الأقل تراجعت مساهماتهم، بقى عادل إمام منافساً لهؤلاء الشباب ذراعاً بذراع وفيلماً بفيلم لتثبت الأيام والسنون والتجارب المتلاحقة أنه كان أنجحهم وأكثرهم قدرة وكفاءة على الجلوس فوق القمة رغم كل تلك المتغيرات التى عرفها الواقع السينمائى فى مصر، فكيف واجه الزعيم والأستاذ كل هذه التحديات؟

أولاً: أدرك النجم الذكى أن المعطيات الكثيرة التى تغيرت تفرض عليه هو الآخر نوعاً من التغيير ومواكبة الواقع، فبعد عدم توفيقه فى اختيار فيلم «الواد محروس بتاع الوزير» الذى لعب فيه دور جندى رغم أنه كان ساعتها على مشارف الستين انتبه إلى ضرورة البحث عن الأدوار التى تناسبه وتلائم مرحلته العمرية، وهو ما تحقق له بداية من «أمير الظلام» وصولاً إلى «زهايمر» آخر أفلامه حتى الآن، ولذلك أحس الجمهور أن نجمهم الكبير لا يستخف بهم، خاصة فى ظل سينما شابة منطلقة يقدمها النجوم الجدد.

ثانياً: رغم أنه انتبه إلى ضرورة تقديم ما يناسب مرحلته السنية إلا أنه كان حريصاً على أن يحشد فى أفلامه عدداً لا بأس به من الشباب لتجديد دماء عمله الفنى، ومجاراة التيار السائد ومحاولة كسب جمهور جديد من بين هذه الشريحة العمرية.

ثالثاً: أتاحت له مساحة الحرية الإضافية الممنوحة له طرح الهم السياسى والاجتماعى بصورة أكثر واقعية ونضجاً من غيره على النحو الذى تابعناه فى «السفارة فى العمارة «و«حسن ومرقس» على سبيل المثال، ومن ثم وجد الجمهور فى أفلامه شيئاً مختلفاً عما يقدمه كتكوت وكركر ومن هو وش إجرام.

رابعاً: من المهم جداً فى حالة منافسة شرسة كهذه أن يحرص النجم على إحداث التراكم حتى يؤكد أى نجاح سبق أو يعوض أى فشل إذا حدث، ويؤكد معه أيضاً أنه مازال موجوداً فى حلبة السباق، وهو ما فعله عادل إمام بأفلامه الاثنى عشر من بعد عام 1997 بالإضافة إلى ثمانية أعمال تليفزيونية حتى الآن، ما يعنى أنه قدم عشرين عملاً جديداً فى أقل من خمسة وعشرين عاماً، وهو رقم مهم، خاصة إذا ما قارناه بما حدث عند أسماء محسوبة على تيار الشباب لم يقدم معظمهم هذا العدد.

خامساً: فى الوقت الذى كان فيه عادل إمام منتبهاً إلى هذا كله وقع النجوم الشباب فى خطأ التكرار ومحاولة استثمار النجاح السابق، فتشبَّع الجمهور بعض الشىء وراح ينصرف -بدرجات مختلفة- عن هؤلاء النجوم المكررين، لا سيما أن حرب تكسير العظام بينهم أصابتهم مبكراً بالإنهاك وجعلت عادل إمام وحده بمنأى عن هذه الحرب وبكامل قواه الفنية.

سادساً: كان جمهور الشاشة الصغيرة دائم التشوق إلى نجمهم الكبير، فسعى إلى تعويض انقطاعه عنهم بثمانية أعمال متنوعة المحتوى أضافت إلى عادل جمهوراً جديداً بالتأكيد، وأبقت على اسمه ونجوميته وحافظت له على زعامته الفنية.