مراسم تاريخية بلمسة عصرية في حفل تتويج أول بابا أمريكي للفاتيكان
مراسم تاريخية بلمسة عصرية في حفل تتويج أول بابا أمريكي للفاتيكان
يبدأ البابا «لاون»، الرابع عشر، البابا 267 للفاتيكان، أولى خطواته الرسمية عقب قداس التنصيب الذى يقام فى ساحة القديس بطرس فى مراسم تجمع بين الرمزية التقليدية وبعض التحديثات التى تعكس تغير الزمن، ذلك الحدث الذى يمثل الإعلان الرسمى لبداية حبرية أول بابا أمريكى يتولى هذا المنصب فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وتقام المراسم وسط حضور شعبى واسع ومشاركة وفود من مختلف الطوائف والكنائس، وبحضور شخصيات دينية ودبلوماسية من أنحاء العالم.
تبدأ مراسم التنصيب بإبراز بعض الرموز الكنسية المعروفة التى يتمسك بها الفاتيكان منذ قرون، أبرزها «الباليوم» و«خاتم الصياد»، والباليوم، وهو وشاح أبيض من صوف الخراف يوضع على كتفى البابا، ويرمز إلى مسئولية الراعى تجاه قطيعه، أى المؤمنين، أما خاتم الصياد، فيصنع خصيصاً لكل بابا جديد، ويحمل نقشاً لبطرس الرسول وهو يلقى شبكته فى البحر، فى إشارة إلى بداية دعوته من قبل المسيح، ويستخدم كرمز للسلطة البابوية، ويتم تدميره رسمياً بعد انتهاء فترة الحبريّة.
فى بداية المراسم، يردد أحد «الكرادلة»، الكلمات التقليدية التى ترافق انتقال السلطة البابوية، قائلاً: «الراعى الصالح أوكل بطرس بتغذية خرافه وحملانه، واليوم تخلفه أنت كأسقف لكنيسة روما وخليفة للقديس بطرس»، ثم يتولى الكاردينال عميد مجمع الكرادلة وضع خاتم الصياد فى يد البابا الجديدة، وهو خاتم صنع خصيصاً ليحمل رمز بطرس الرسول وهو يلقى بشبكته فى البحر، فى دلالة على رسالته فى قيادة الكنيسة وتبشير العالم.
وبعد تسلمه الرموز، ينحنى البابا أمام ضريح القديس بطرس، يرافقه بطاركة من الكنائس الكاثوليكية الشرقية، فى لحظة رمزية تؤكد استمرار سلسلة الخلافة الرسولية، ثم يقدّم ستة من الكرادلة يمثلون مجمع الكرادلة ليقسموا يمين الطاعة، فى مشهد يعكس تواصل التقاليد الكنسية الراسخة، قبل أن يبدأ البابا «لاون»، قدّاسه الأول فى فناء كاتدرائية القديس بطرس، وسط ترتيل جماعى وترجمات فورية لأكثر من أربعين لغة.
على الجانب التنظيمى، تتيح المراسم مشاركة شعبية واسعة، حيث توزع كتيبات القداس بلغات متعددة، وتنصب شاشات كبيرة فى ساحة القديس بطرس لنقل تفاصيل الحدث، كما تترجم كلمة البابا لأكثر من 40 لغة، وتنقل وقائع المراسم عبر قنوات دولية ومنصات رقمية لتصل إلى جمهور عالمى واسع.
ويلقى البابا الـ267 للفاتيكان خطاباً يعتبر الخريطة التى ترسم الخطوات التالية له لأنه غالباً ما يتضمّن إشارات أولية إلى توجهاته، على غرار ما حدث مع البابا فرنسيس عام 2013 حين ركّز فى كلمته الأولى على الرحمة والفقراء والبيئة، ما شكّل نواة لحبريته، وفى هذه المناسبة يعطى البابا لاون الرابع عشر من خلال خطابه لمحة عن أولوياته فى مجالات الإصلاح الداخلى، والعلاقات الدولية، وموقفه من القضايا المعاصرة التى تواجه الكنيسة.
وعن سبب اختياره لاسم «لاون»، قال روبرت فرنسيس بريفوست، 69 عاماً، إن السبب الرئيسى هو أنَّ البابا ليو الثالث عشر، من خلال الرسالة العامة التاريخية (Rerum novarum) تناول المسألة الاجتماعية فى خضم الثورة الصناعية الأولى، هذه الرسالة البابوية الصادرة العام 1891 والتى يمكن ترجمتها بالأشياء الجديدة أو الابتكارات، هى النص الافتتاحى للعقيدة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية والتى تتمحور حول مبادئ الكرامة الإنسانية، لاسيما التضامن والخير العام.
وأضاف رئيس الكنيسة الكاثوليكية الجديد: «تضع الكنيسة فى متناول الجميع تراثها فى العقيدة الاجتماعية للكنيسة لكى تجيب على ثورة صناعية جديدة وتطورات الذكاء الاصطناعى، بما تطرحه من تحديات جديدة فى سبيل الدفاع عن كرامة الإنسان، وعن العدالة والعمل».
كما ذكّر الحبر الأعظم الجديد الشغوف بالتاريخ المسيحى وبالرياضيات، بالأسلوب القائم على التفانى الكامل فى الخدمة لسلفه البابا فرنسيس الذى توفى فى 21 أبريل عن عمر 88 عاماً، مضيفاً أمام الكرادلة: لنقبل إذن هذا الإرث الثمين ولنستأنف المسير، يحركنا الرجاء عينه الذى ينبعث من الإيمان.
وقد اختار البابا «لاون» الرابع عشر أيضاً شعاراً يعكس هذا التقليد الأوغسطينى: «فى الواحد، نحن واحد»، وهذه العبارة مأخوذة من شرح القديس «أوغسطين»، للمزمور 127، حيث يوضح أنه مع أننا مسيحيون كثيرون، فإننا فى المسيح الواحد واحد.
وفى مقابلة عام 2023 مع «تيزيانا كامبيسى»، من «فاتيكان نيوز»، أكد الكاردينال آنذاك «روبرت فرنسيس بريفوست»، على أهمية هذا الشعار قائلاً: «كما يتضح من شعارى الأسقفى، فإن الوحدة والشراكة جزء لا يتجزأ من كاريزما رهبنة القديس أوغسطين، ومن أسلوبى فى العمل والتفكير، وأعتقد أن تعزيز الشراكة فى الكنيسة أمر بالغ الأهمية، ونحن نعلم جيداً أن المشاركة والرسالة هى الكلمات الرئيسية الثلاث للسينودس، لذا، وبصفتى أوغسطينياً، فإن تعزيز الوحدة والشراكة أمر أساسى بالنسبة لى».