عمار علي حسن يكتب: الترامبية وعالمنا المعاصر (2)

كتب: editor

عمار علي حسن يكتب: الترامبية وعالمنا المعاصر (2)

عمار علي حسن يكتب: الترامبية وعالمنا المعاصر (2)

أظهر رد فعل مختلف الدول على قرار ترامب الذي أعلنه في «يوم التحرير» وعزاه إلى «حالة طوارئ اقتصادية»، والخاص بالتعريفة الجمركية، أنّ هناك في الخلفية إدراكا للتوحش الأمريكي، حتى لو كانت النزعة الاقتصادية والتجارية البحتة تغلف تصريحات مختلف المسؤولين في تعقيبهم على هذه الخطوة.

بل يدرك هؤلاء أيضا مدى الاستهانة والاستخفاف الأمريكي بالعالم، الذي وصل إلى حد أن تشمل هذه التعريفة جزيرتي «هيرد» و«ماكدونالد» في القطب الجنوبي، واللتين تسكنهما طيور البطريق، ولم يدخلهما إنسان واحد منذ عشر سنوات، ما حدا برئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيز إلى القول: «لا يوجد مكان على الأرض في مأمن من هذه القرارات».

واختيار «يوم التحرير» لمثل هذا الإعلان لا يخلو في حد ذاته من معنى سياسي وثقافي، إذ يحول التعريفة الجمركية من إجراء اقتصادي إلى إشارة رمزية تريد بها النزعة «الترامبية» أن تقول للعالم إننا وحدنا في وجه الجميع، وإن النظام الدولي الحالي عليه أن يتغير لصالحنا، ولو عنوة، ولا يكفينا الانفراد بالقمة، بل منع أي أحد من مجرد التفكير في الصعود إلينا.

وكما يهدم ترامب تباعا وفي إصرار، الأسس والتقاليد السياسية والدستورية والبيروقراطية والأمنية داخل الولايات المتحدة نفسها، فإنه يفعل هذا خارجها، وهي مسألة بدأت بالخروج من منظمات أممية، واستهانة بالقانون الدولي، ثم حديث صريح فج عن غزو دول والاستيلاء على أخرى، وبعدها اتخاذ قرار الرسوم الجمركية دون تشاور أو تفاوض أو تفاهم مع أحد من العالمين.

قد تكون هذه الغطرسة هي أقصى حد تبلغه الإمبراطورية التي تعتقد أنها منفردة بقيادة العالم، وبعدها يبدأ منحى القوة في الهبوط، لا سيما أن الجميع الآن بات يدرك مع الترامبية، أنّ «الحلم الأمريكي» تحول إلى «الخطر الأمريكي»، وأنّ الصبر عليه لا يمكن أن يطول، وأنّ طرق مواجهته يجب أن تتعدد وتتسع وتتعمق، اللهم إلا إذا غيَّر ترامب سياسته، وهذا صعب، أو انتبه من جاءوا بعده إلى أن استفزاز العالم كله ليس في صالح بلادهم.

من جهة ثانية، تفاجأ العالم كالعادة بترامب يتحدث عن رغبته في مرور سفن الولايات المتحدة وأساطيلها عبر قناتي السويس وبنما دون دفع رسوم، ما فتح بابا لجدل حول مدى إدراك الإدارة الأمريكية الجديدة لمبدأ «سيادة الدول» يضاف إلى غيره الذي تواصل مع قرارات ترامب الجامحة، حول «القانون الدولى» ومستقبل «الهيئات والمؤسسات والتنظيمات الدولية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، وما إذا كانت واشنطن تعود بالعالم كله إلى زمن الغابة، لا سيما في ظل مشاركتها، بالسلاح والدعم التقني والدبلوماسي وانتظار اقتسام الغنائم، في «الإبادة الجماعية» التي تحدث لأهل قطاع غزة.

يريد ترامب أن يهيل التراب على كل ما بذلته البشرية من جهد في سبيل تعزيز «المشترك الإنساني» أو الاتكاء على لافتة «مستقبلنا المشترك» التي رفعتها الأمم المتحدة قبل ما يربو على عقدين من الزمن، أو الإيمان بمبدأ «المصالح المتبادلة» أو حتى ما فرضته آليات السوق من الأخذ بقاعدة «الميزة النسبية»، التي تعطي مختلف الدول فرصة للمشاركة في الاقتصاد الدولي، وتتيح لها جني مكاسب تعود على شعوبها.

مثل هذا التصور يريد أن يلغي حصاد جهد مُضنٍ بُذل في سبيل طي صفحة الماضي الذي كانت فيه الإمبراطوريات النازعة إلى التوسع والاستباحة والاستيلاء على مقدرات الغير، لا تقيّدها قوانين ولا أعراف ولا اعتراف بحقوق الآخرين من دول وشعوب، وكانت فيها «سنابك الخيل» هي التي تحدد قواعد اللعبة في النظام الدولي القديم.