وقاية تسبق الجريمة وتمنع العقوبة

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

تتعدد أسباب انتشار الجرائم فى المجتمع، وتتعدد الحلول، التى منها ما هو منطقى قابل للتطبيق، ونظرى لا علاقة له بالواقع، وافترقت الدروب حول سؤال: على مَن تقع المسئولية؟ وظن البعض أن مجرد وضع القوانين كافٍ لعلاج الجريمة وتصحيح المفاهيم، وهذا الظن خطأ محض، لأن كثيراً من المخالفات ارتُكبت لأن الإنسان فقد الرحمة أو العفة أو المسئولية أو الأمانة أو الضمير، وكلها أمور لا دخل للقوانين فيها.

وإن كان أحد لا ينكر الدور الفاعل للقانون فى التقليل من الجريمة، حتى اشتهرت عبارة: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وهى تعبير عن واقعية حقيقية، وأن الناس ليسوا جميعاً أصحاب ضمير حيّ يكفى لردعهم عن الخطأ، بل لا بد من وجود قوانين صارمة عادلة تُنفّذ القوانين وتعاقب المخالفين، وهو أمر لا يكفى فيه الوعظ والإرشاد، ما لم تكن هناك قوة نظامية رادعة، إن فى شأن الجريمة عموماً، وإن فى شأن سائر المخالفات التى تدخل ضمن طائلة الممنوع قانوناً.

الإسلام يحدد عدة خطوط أمامية دفاعية للوقاية من الجريمة، التى هى نتاج تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسية تنعكس على سلوك الأفراد، فاهتم الإسلام بمسألة الفقر والحرمان واستيعاب الجميع، واهتم -وهو يدعو لتزكية النفس- برفض مشاعر الحقد والغضب والعدوانية وتفريغ الطاقات السلبية بشكل غير صحى، خصوصاً لدى الشباب.

هناك خطاب متعلق بدور المؤسسات الدينية من حيث تقديم خطاب دينى مستنير لا ينفصل عن الواقع، ولا يتقوقع فى الماضى، ويشتبك مع الانغلاق الفكرى، والتطرف، والعادات السيئة، والمفاهيم المغلوطة، فيشتبك مع قضايا مثل: المنع من الميراث، والتدخين الإلكترونى، والمخدرات، والإدمان، والحريات، والعنف الأسرى، والبطالة، والتعصب، والتفكك الاجتماعى، والطلاق، والتحرش والعنف اللفظى، ولا يُختزل فى مظاهر شكلية أو شعارات وعظية، فيهذب النفس، ويحض على العدل والتعليم والسلوك القويم، والأخلاق المجتمعية.

ومثل هذا يقال عن مواقع التواصل الاجتماعى وعن الإعلام وعن المدرسة وعن الأسرة، فغياب الرقابة والتوجيه، وتقديم النقد بدلاً من الحل، وعدم إدراك الواقع، والانغلاق والخوف أو الانفتاح بدون حدود، كل ذلك يزرع فى النفس اضطراباً يدفعها إلى التمرد أو الانتقام أو اليأس أو الإحباط أو العنف أو التطرف، وأحياناً المجتمع نفسه هو الذى يسهم فى الجريمة دون قصد حين يقدم صور الحياة المادية الزائفة، فيخلق ضغطاً نفسياً على الأفراد ويدفعهم إلى سلوكيات غير أخلاقية.

ويأتى الخطاب الدينى، فإما أنه يستوعب التغييرات ويقدم الحلول العملية التطبيقية مع جهات أخرى، وما يزيد الشخصَ تأنيباً ويأساً واضطراباً، والخطاب الدينى -وكذا الثقافى والتعليمى- إن لم يكن بهذه الصورة، وبهذه الجدية، وبهذه الحيوية، فسوف يتحول إلى جزء من المشكلة، وليس جزءاً من الحل، وبداية الاشتباك تكون بتقديم الحلول وليس الإمعان بتوصيف الواقع والاكتفاء بمهاجمته.

والإسلام يعتمد فى معالجة الجرائم على الردع، والإصلاح، وتحقيق العدالة، ويشجع على العفو والصلح كمظهر من مظاهر الرحمة، وعلى تربية الضمير وتزكية النفس، وتقليل دوافع بعض الجرائم من خلال التكافل، وتوفير الحقوق الأساسية للفرد، والنقاش والحوار والتوبة.

وكل ذلك لا يكون بمعزل عن فهم نفسية الشباب، وإشباعهم نفسياً وعاطفياً، ومنحهم الفرص للمراجعة والنقد والتصحيح، دون فضح أو إهانة، وحثهم على المشاركة، والعدالة فى حقوقهم ووظائفهم وأعمالهم، وخلق المشروعات الثقافية الوطنية التى تشغل فراغهم، وتعزز انتماءهم، وتقيهم الإرهاب والتطرف والعنف وسائر المخالفات والجرائم، وتمثل خطوطاً دفاعية تسبق الجريمة وتمنع العقوبة.