رفعت رشاد يكتب: موخيكا صديقي عن بُعد
رفعت رشاد يكتب: موخيكا صديقي عن بُعد
حزنت لوفاة صديقي عن بُعد، خوسيه موخيكا، الرئيس الأسبق للأوروجواي، عن عمر يناهز 89 عامًا، بعد صراع مع سرطان المريء. كنت وما زلت من المعجبين بصدق بشخصية موخيكا الفريدة في السياسة العالمية واعتبرته صديقًا وإن كان بيننا آلاف الأميال، حيث جمع بين ماضيه كثائر ماركسي في حركة توباماروس وبين قيادته كرئيس متواضع وبسيط، مما جعله رمزًا عالميًا للصدق والنزاهة السياسية. وكنت كتبت عنه من قبل عددًا من المقالات على فترات مظهرًا مزايا شخصيته ورئاسته.
انضم موخيكا في ستينيات القرن الماضي إلى حركة توباماروس، وهي جماعة مسلحة ماركسية- لينينية سعت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال الكفاح المسلح، مستلهمةً من الثورة الكوبية. شارك في عمليات جريئة، مثل الاستيلاء على مدينة باندو عام 1969، وتعرض لإطلاق النار ست مرات أثناء مقاومته للاعتقال في عام 1970. أمضى ما مجموعه 14 عامًا في السجن، معظمها في الحبس الانفرادي، حيث تعرض للتعذيب وظروف قاسية.
بعد عودة الديمقراطية إلى الأوروجواي عام 1985، أُفرج عن موخيكا بموجب عفو عام. انضم إلى الجبهة العريضة، وهي تحالف يساري، وأسهم في تأسيس حركة المشاركة الشعبية، التي أصبحت أكبر مكون في التحالف. تولى موخيكا رئاسة الأوروجواي من 2010 إلى 2015، حيث قاد البلاد نحو إصلاحات اجتماعية غير مسبوقة، مما عزز مكانتها كواحدة من أكثر الدول تقدمية في أمريكا اللاتينية، فعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت البلاد نموًا مستدامًا، وانخفضت معدلات الفقر والبطالة بشكل ملحوظ. أطلق موخيكا برامج اجتماعية مثل «خطة الطوارئ» لدعم الفئات الأكثر ضعفًا، و«خطة سيبال» التي وفرت حواسيب محمولة وإنترنت مجاني لجميع طلاب المدارس العامة.
رفض موخيكا الإقامة في القصر الرئاسي، مفضلاً العيش في مزرعة بسيطة مع زوجته لوسيا توبولانسكي، نائبة الرئيس لاحقًا. كان يتنقل بسيارته الفولكس فاجن بيتل القديمة، وتبرع بـ90% من راتبه الرئاسي للجمعيات الخيرية، ما جعله يُلقب بـ«أفقر رئيس في العالم».
يُقارن موخيكا بقادة يساريين آخرين في أمريكا اللاتينية مثل لولا دا سيلفا في البرازيل وهوجو شافيز في فنزويلا. بينما شارك الثلاثة في النضال من أجل العدالة الاجتماعية، تميز موخيكا بتواضعه وزهده في السلطة. حافظ موخيكا على المؤسسات الديمقراطية ورفض الترشح لولاية ثانية متتالية، مؤمنًا بتداول السلطة. يعتبر موخيكا رمزًا للنزاهة السياسية والقيادة الأخلاقية. أثبت أن التواضع والصدق يمكن أن يتماشيا مع الإصلاحات الجذرية والنجاح الاقتصادي. في زمن يتزايد فيه انعدام الثقة في السياسيين، يظل إرث موخيكا مصدر إلهام للقيادات المستقبلية في أمريكا اللاتينية والعالم.